لكل السوريين

اللشمانيا في درعا.. مرض صامت يكشف فجوات الخدمات ويثقل كاهل الأهالي

السوري ـ درعا

لا تُقاس معاناة سكان درعا، جنوبي سوريا، بما يظهر على السطح من فقر أو تراجع في الخدمات فحسب، بل بما يتسلل بهدوء إلى أجسادهم ويترك أثره لأشهر وربما سنوات. داء اللشمانيا، المعروف شعبياً بـ“حبة حلب”، تحوّل خلال الأعوام الأخيرة من حالات محدودة إلى أزمة صحية واسعة، تطال آلاف العائلات، خصوصاً في المناطق الريفية والمحرومة خدمياً.

في أحد أحياء درعا البلد، تراقب أم محمد طفلها وهو يحاول إخفاء يده بقطعة قماش. تقول بأسى: “بدأت بنقطة صغيرة، ظنناها لدغة عادية، لكنّها سرعان ما كبرت وتقرّحت”. لم تدرك حينها أن هذه العلامة البسيطة هي بداية إصابة بمرض تنقله ذبابة الرمل، التي تنشط في البيئات الملوثة والمناطق التي تغيب عنها أعمال النظافة والمكافحة.يرتبط انتشار اللشمانيا في درعا ارتباطاً وثيقاً بالواقع البيئي والخدمي المتدهور. فالنفايات المتراكمة، والأبنية المهدمة، ووجود حظائر الحيوانات داخل الأحياء، إلى جانب ضعف شبكات الصرف الصحي، كلها عوامل تخلق بيئة مثالية لتكاثر الحشرات الناقلة. ومع محدودية حملات الرش، أصبحت الإصابة بالمرض أمراً شائعاً، لا سيما بين الأطفال.

في إحدى قرى الريف الغربي، أُصيب أكثر من عشرة أطفال خلال فترة قصيرة. يقول أحد السكان: “لم يعد الأمر مستغرباً، فكل منزل تقريباً فيه حالة أو أكثر”. هذا التعايش القسري مع المرض يعكس مدى انتشاره، ويحوّله من مشكلة صحية إلى ظاهرة اجتماعية مقلقة.

ولا تتوقف المعاناة عند الإصابة، بل تمتد إلى رحلة العلاج. يواجه كثير من الأهالي صعوبات في الحصول على الدواء، سواء بسبب بعد المراكز الصحية، أو نقص الأدوية، أو ارتفاع كلفة العلاج في القطاع الخاص. ريم، وهي طالبة جامعية، أصيبت بقرحة في وجهها، تقول: “الألم لم يكن الأصعب، بل القلق من الأثر الذي قد يبقى”. استمر علاجها أشهراً وسط تنقل بين مراكز مختلفة، دون ضمانات واضحة للتحسن.

تترك اللشمانيا آثاراً نفسية لا تقل قسوة عن آثارها الجسدية، خاصة عندما تصيب الوجه أو المناطق الظاهرة من الجسم. فالندوب قد تؤثر على ثقة المصابين بأنفسهم، وتدفع بعضهم إلى الانعزال. ويشير أحد المعلمين إلى أن بعض الطلاب باتوا يتجنبون المشاركة في الصف خوفاً من التنمر بسبب آثار المرض.

في محاولة للحد من انتشار العدوى، تبذل بعض المبادرات المحلية جهوداً متواضعة. سعاد، متطوعة في التوعية الصحية، تجوب المنازل لتقديم إرشادات بسيطة، مثل تنظيف محيط البيوت واستخدام الناموسيات. لكنها تؤكد أن هذه الجهود، رغم أهميتها، تبقى محدودة في ظل غياب برامج منظمة وشاملة.

في إحدى القرى الجنوبية، حاول الأهالي تنظيم حملة تنظيف تطوعية بعد ارتفاع عدد الإصابات. جمعوا النفايات، وردموا الحفر، وحاولوا رش بعض المبيدات المتوفرة. يقول أحد المشاركين: “فعلنا ما استطعنا، لكننا نحتاج إلى دعم حقيقي، فالمشكلة أكبر من جهود فردية”. هذه المبادرات تعكس وعي المجتمع، لكنها تكشف أيضاً حجم العجز أمام انتشار المرض.

داء اللشمانيا في درعا لم يعد مجرد مسألة صحية، بل بات مؤشراً على تدهور الواقع البيئي والخدمي. المرض يكشف هشاشة النظام الصحي المحلي، ويظهر كيف يمكن لخلل بسيط في النظافة أو الوقاية أن يتحول إلى أزمة واسعة. وبين طفل يخفي يده المصابة، وفتاة تقلق من أثر سيبقى على وجهها، وأم تخشى على أبنائها، تتشكل صورة موجعة لمعاناة مستمرة.

ورغم قتامة المشهد، لا يزال الأمل قائماً في الحد من انتشار اللشمانيا عبر تكاتف الجهود، وتحسين الخدمات، وتعزيز التوعية، وتأمين العلاج بشكل منتظم. فالمعركة مع هذا المرض ليست مستحيلة، لكنها تتطلب اهتماماً حقيقياً، لأن تركه ينتشر بصمت يعني ترك آثار طويلة الأمد على صحة المجتمع ومستقبل أفراده. وفي درعا، حيث اعتاد الناس الصمود، يبقى الأمل بأن لا تتحول “حبة حلب” إلى جرح دائم في حياة الأجيال القادمة.

 

- Advertisement -

- Advertisement -