لكل السوريين

الفتيات والعنف الأسري في سوريا.. فتيات يواجهن الخوف بالصمت

تقرير/ جمانة الخالد

تجلس الفتاة هنا، البالغة من العمر 17 عاماً، في غرفة ضيقة بمنطقة برزة بدمشق، وقد بدا وجهها فاقد الحيوية. تقول بخفوت: “كنت أخشى العودة إلى المنزل بعد المدرسة. ليس خوفاً من الامتحان، بل من كلمة قد تُلقى، أو من يد قد تُمدّ”. هنا، طالبة في الصف الأخير، تتعرّض لعنف نفسي من والدها منذ مراحل الدراسة الأولى، لكنها لم تجرؤ على الكشف خوفاً من تردّي الأوضاع الأسرية مادياً واجتماعياً. أخوها الأكبر غادر المنزل منذ سنوات، ووالدتها تخشى أن يغضب والدها أكثر إن تحدثوا. هكذا تُختزل حالة فتيات كثيرات في العاصمة: بين جدار البيت وصمت التقاليد، ينشأ جيل معرّض لخطر مضاعف.

في ريف حماة، تحديداً قرية قرب محردة، تُروى قصة الفتاة لمياء التي لم تتجاوز السادسة عشرة عندما قرّر والدها تزويجها لرجل مسن مقابل مبلغ ضئيل. تقول لمياء: “لم أشأ الذهاب، لكن الأهل قالوا إن جدّي أعدّ البيت والمهر. ذهبت وأنا أشعر أنّ طفولتي تُسرق”. كان القرار مدعوماً بظروف الأزمة والضغط الاقتصادي، حيث القانون لا يوفر حماية كافية، ويُظهر أن العنف الأسري يشمل نسبة كبيرة من النساء والفتيات في بعض المناطق السورية قبل سنوات من الحرب.

أما في مدينة حمص، فكانت رنا، طالبة جامعية من حي الوعر، شاهدة على مشهد يتكرر كثيراً: تعرض والدتها للسب والضرب أمام العائلة. تقول رنا: “أغمضت عيني لمساعدة أمي، لكن الصراخ استمر. أخيّ الصغير اختبأ تحت الطاولة”. بعد سنوات من التردّي الأمني والاقتصادي في حمص، تراجع الدعم الأسري والتأهيلي، ما جعل الكثير من الأسر عُرضة للعنف داخل المنازل. أظهرت التقديرات أن العنف الأسري يشكل جزءاً كبيراً من العنف القائم على النوع الاجتماعي الذي تتعرض له النساء والفتيات في سوريا، وسط ضعف الخدمات القانونية والحماية.

التحليل الاجتماعي يشير إلى أن العنف ضد الفتيات داخل الأسرة ليس حالة عابرة، بل نتاج تقاطع عوامل متعددة. من جهة هناك الفقر والبطالة والضغوط الاقتصادية التي تزيد من التوتر الداخلي وتفجّر العنف. ومن جهة أخرى هناك القيم الجماعية والتقاليد التي ترى المرأة أو الفتاة أقل منزلة، أو أنها “يجب أن تطيع” وأن تلتزم بالصمت تحت سقف العائلة. كما أن النزاع المستمر والهشاشة الأمنية زاد ضعف الأسر والمجتمعات، مما جعل الفتيات أكثر عرضة للعنف.

في دمشق، أُطلقت خلال السنوات الأخيرة حملات من منظمات محلية ودولية تهدف إلى رفع وعي الأسر والفتيات حول حقوقهن وتقديم استشارات نفسية وقانونية، إلا أن هناك نقصاً كبيراً في عدد الملاجئ وآليات الحماية. الكثير من الفتيات لا يبلغن عن العنف خوفاً من الوصمة الاجتماعية أو تدهور وضع الأسرة، ما يعمّق دائرة الخطر على حياتهن الجسدية والنفسية.

من بين الآثار العميقة للعنف الأسري ضد الفتيات، فقدان الأمن النفسي والجسدي، بالإضافة إلى التأثير السلبي على التعليم والمستقبل الاجتماعي. هنا، رنا ولمياء وغيرهن اضطلعن بدور مزدوج: طالبة وواحدة من ضحايا البيت، يكافحن بين واجب الدراسة والنجاة من العنف. كثير من الفتيات اللواتي تعرضن للعنف يُبلغن عن صعوبات في التركيز، خوف من العودة إلى المنزل، أو هروب من العائلة، ما يؤثر على استمرار تعليمهن ومشاركتهن في الحياة العامة.

معالجة الظاهرة تتطلب أكثر من ورشات توعية مؤقتة، فهي تحتاج إلى قوانين واضحة تحمي الأطفال والفتيات من العنف داخل الأسرة، وخدمات إسعافية من مأوى أو خطوط ساخنة، وبرامج تأهيل نفسي واجتماعي، ودعم اقتصادي للأسر التي تعيش تحت حد الفقر. كما يرى الخبراء أن تغيير الثقافة التي تقبل الصمت عن العنف أو تبرّره أمر أساسي لمنع انتقاله من جيل إلى جيل.

تمثل قصص هنا ولمياء ورنا الواقع المأساوي الهادئ للمجتمع السوري. الفتيات في دمشق وحماة وحمص يرزحن تحت وطأة العنف الذي غالباً ما يبقى خلف الأبواب. الفتاة التي تمد يدها نحو مساعدة أو تبحث عن ملاذ لا تطالب فقط بحمايتها، بل بحياة تستطيع فيها أن تكون طفلة. وإذا لم تُمارَس المسؤولية المجتمعية والقانونية تجاههن، فلن تكتفي الطفولة بالسرقة، بل ستُفقد الأجيال القدرة على النهوض.

- Advertisement -

- Advertisement -