لكل السوريين

الاعتداء على المعلمين في حمص وحماة.. التسرب المدرسي يغذي موجة العنف داخل المدارس

تقرير/ بسام الحمد

في مدارس حمص وحماة، تبدو الفصول الدراسية هذه الأيام مليئة بالقلق أكثر من الحصص التعليمية. لم يعد المدرسون يواجهون تحديات التدريس وحده، بل أصبحوا مضطرين للتعامل مع موجة متنامية من الاعتداءات اللفظية والجسدية من قبل بعض الطلاب وأحيانًا أولياء الأمور، في ظاهرة باتت تهدد العملية التعليمية بشكل مباشر.

سليمان، مدرس للرياضيات في إحدى مدارس حمص الثانوية، يروي تجربته بصوت مثقل بالإحباط: “قبل أسبوعين، تعرضت لمحاولة ضرب من طالب لم يرضَ عن علامته في الامتحان. لم يكن الأمر فقط تهديدًا جسديًا، بل صدمة كبيرة بالنسبة لي ولزملائي. لم نعد نعلم كيف نتعامل مع سلوكيات الطلاب المتطرفة، خاصة عندما يشعرون بأنهم غير ملزمين بالقوانين المدرسية.”

وفي مدينة حماة، تعرضت معلمة للغة العربية لإهانة لفظية من قبل ولي أمر طالب بعد اعتراضها على سلوك ابنه داخل الصف. تقول المعلمة، التي طلبت عدم ذكر اسمها: “شعرت بالعجز. لم أكن أتوقع أن يأتي ولي أمر للمدرسة بأسلوب عدائي. هذه الحوادث أصبحت متكررة بشكل مخيف، وما يزيد الوضع سوءًا هو غياب آليات واضحة لحماية الكوادر التدريسية.”

ويشير مسؤولون في مديرية التربية بحمص وحماة إلى أن هذه الاعتداءات تتزايد مع ارتفاع نسبة التسرب المدرسي في المحافظة. التسرب، وفق إحصاءات رسمية، وصل إلى مستويات غير مسبوقة خلال السنوات الماضية، حيث يترك الطلاب مقاعد الدراسة بسبب ضغوط اقتصادية أو اجتماعية أو شعورهم بالإحباط داخل المدارس. ومع كل طالب يغادر المدرسة، تزداد التحديات أمام المدرسين، الذين يجدون أنفسهم أمام صفوف صغيرة ولكن مضطربة، وتزداد حدة السلوك العدائي لدى بعض الطلاب.

أحمد، مراهق من ريف حماة، يروي جزءًا من الواقع: “الكثير من أصدقائي توقفوا عن الذهاب إلى المدرسة، وأنا أذهب فقط لأن والديّ يصرّان. بعض المعلمين صارمين للغاية، والطلاب يشعرون بأنهم غير مسموعين. الغضب يتراكم، وأحيانًا ينفجر داخل الصف.” هذه الكلمات تعكس أحد أسباب التصعيد الذي يصل أحيانًا إلى العنف تجاه المدرسين، وهي مشاعر الإحباط والانعزال داخل المجتمع المدرسي.

خبراء نفسيون في حماة وحمص يربطون هذه الظاهرة بعدد من العوامل المتشابكة، أهمها الضغوط الاقتصادية على الأسر، وتأثير وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي على سلوك الطلاب، وقلة الوعي بحقوق المعلمين وواجباتهم. تقول الدكتورة نادين الحمصي، اختصاصية علم النفس التربوي: “الطلاب الذين يعانون من غياب الرقابة أو من صعوبات التعلم غالبًا ما يكونون أكثر ميلاً للتصرف بعنف لفظي أو جسدي. إذا أضفنا إلى ذلك تسرب بعض زملائهم من المدرسة، فإن الشعور باليأس يزداد، ويصبح المعلم هدفًا للانفعالات المكبوتة.”

في المدارس، تحاول إدارات التعليم التخفيف من حدة الظاهرة من خلال برامج توعية للطلاب وأولياء الأمور، وورش عمل للمعلمين حول كيفية التعامل مع السلوك العدواني، ولكن التحدي ما زال قائمًا. مدير إحدى المدارس في حمص يقول: “نحن نحاول تطبيق اللوائح المدرسية بحزم، لكن أحيانًا يكون من الصعب فرض النظام عندما يواجه المعلم عدوانًا من الطالب ومن أهله في الوقت نفسه. الحل يحتاج إلى تدخل من وزارة التربية لدعم المعلمين قانونيًا ونفسيًا.”

ومن بين الحكايات التي تعكس حجم الأزمة، قصة مها، طالبة من حماة عادت إلى المدرسة بعد عدة سنوات من التسرب: “كنت أترك المدرسة كل فترة بسبب مشاكل شخصية، وعندما عدت، وجدت أن بعض المدرسين لا يتفهمون وضعي. شعرت بالغربة والغضب، وأحيانًا كنت أتصرف بطريقة عدائية، دون أن أدرك أنها تضغط على المعلم أكثر مما تفيدني.” هذه التجربة تكشف الرابط المباشر بين التسرب المدرسي وارتفاع حالات العنف أو الإهانة الموجهة للكوادر التدريسية.

بالنظر إلى الواقع، يرى المختصون أن الحلول تحتاج إلى مقاربة متعددة المستويات، تشمل الدعم النفسي للطلاب والمعلمين على حد سواء، وتعزيز التوعية المجتمعية بأهمية احترام المدرسة والكادر التعليمي، فضلاً عن سن قوانين صارمة لحماية المعلمين من الاعتداءات. كما يشددون على ضرورة متابعة الطلاب المتسربين وإعادة دمجهم تدريجيًا في العملية التعليمية قبل أن تتحول مشاعر الإحباط لديهم إلى سلوك عدواني.

تبقى مدارس حمص وحماة على الخطوط الأمامية لمعركة غير معلنة ضد العنف المدرسي، حيث يحاول المعلمون الصمود أمام موجة متزايدة من الاعتداءات، في حين يُعد التسرب المدرسي المحفز الأكبر لهذه الظاهرة. فكل طالب يغادر المدرسة ليس مجرد رقم، بل مؤشر على ضعف الحماية الاجتماعية والتعليمية، وحاجة ملحة لوضع استراتيجيات شاملة لحماية الكوادر التدريسية وضمان بيئة تعليمية آمنة للجميع.

- Advertisement -

- Advertisement -