لكل السوريين

انتشار العملات المزورة في درعا يفاقم الأزمات المعيشية ويهدد الثقة بالأسواق

درعا/ رجاء مختار

تشهد محافظة درعا في الآونة الأخيرة تفاقماً ملحوظاً في ظاهرة انتشار العملات المزورة، في مشهد بات يقلق السكان والتجار على حد سواء، ويضيف عبئاً جديداً إلى سلسلة الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالمنطقة. العملات المزيفة، سواء من فئة الليرة السورية أو الدولار الأمريكي، أصبحت حاضرة بقوة في الأسواق الشعبية والمحلات الصغيرة، وسط ضعف واضح في أدوات الرقابة وغياب وسائل الحماية التي تمكّن المواطنين من اكتشافها قبل الوقوع في الخسارة.

يعتمد كثير من أهالي درعا على التعامل النقدي في حياتهم اليومية، سواء في شراء المواد الغذائية أو دفع أجور الخدمات، ومع تراجع الثقة بالمصارف وندرة البدائل، باتت السوق المفتوحة هي الخيار الوحيد. هذا الواقع خلق بيئة خصبة لانتشار العملة المزورة، حيث يستغل بعض ضعاف النفوس حاجة الناس للنقد، ويدفعون بالأوراق المزيفة إلى التداول مستفيدين من ضعف الخبرة لدى شريحة واسعة من المتعاملين.

أبو خالد، وهو تاجر مواد غذائية في أحد أحياء درعا البلد، يروي قصة خسر فيها جزءاً كبيراً من رأس ماله خلال يوم واحد. يقول إن زبوناً اشترى بضاعة بمبلغ كبير نسبياً ودفعها بأوراق من فئة الخمسة آلاف ليرة، ولم يكتشف التزوير إلا في نهاية اليوم عندما حاول تسليم المبلغ لتاجر الجملة. يضيف بحسرة أن ملمس الورقة ولونها كانا قريبين جداً من الأصل، ولم يكن يتوقع أن تكون مزورة، مؤكداً أن خسارته لا يمكن تعويضها في ظل هامش الربح الضيق الذي يعمل به.

ولا تقتصر الظاهرة على الليرة السورية فقط، بل تمتد إلى العملات الأجنبية، وخاصة الدولار الأمريكي الذي يشهد تداولاً واسعاً في المحافظة. أم محمد، وهي أرملة تعيل ثلاثة أطفال، باعت قطعة ذهب صغيرة كانت تحتفظ بها للطوارئ، وحصلت بالمقابل على دولارات تبين لاحقاً أن بعضها مزور. تقول إن الصدمة لم تكن في خسارة المال فقط، بل في شعورها بالعجز، إذ لم تعرف إلى من تتوجه أو كيف تستعيد حقها، خاصة أن عملية التبديل تمت عبر شخص غير معروف في السوق.

يشير متابعون للشأن الاقتصادي في الجنوب السوري إلى أن تدهور الوضع المعيشي وارتفاع الأسعار بشكل مستمر دفع الناس إلى قبول أي أوراق نقدية تصل إلى أيديهم دون تدقيق كافٍ. كما أن الخوف من خسارة الزبائن أو إثارة المشكلات يجعل بعض التجار يتجنبون فحص الأموال أمام المشترين، وهو ما يستغله مروجو العملة المزيفة بذكاء.

تنتشر في درعا ما يُعرف بالصرافة غير النظامية أو “الشعبية”، وهي أماكن أو أشخاص يعملون في تبديل العملات دون ترخيص أو رقابة. هذه الصرافات تشكل نقطة رئيسية لتسريب العملات المزورة إلى السوق، إذ يصعب تتبع مصادر الأموال أو محاسبة المتورطين. بعض المواطنين يؤكدون أنهم يفضلون هذه الصرافات بسبب أسعارها الأفضل مقارنة بالقنوات الرسمية، رغم المخاطر الكبيرة التي تنطوي عليها.

من الناحية القانونية، يُعد تزييف العملة جريمة خطيرة يعاقب عليها القانون السوري بعقوبات قاسية، تشمل السجن لسنوات طويلة وغرامات مالية كبيرة. إلا أن تطبيق هذه القوانين يواجه تحديات عديدة على أرض الواقع، أبرزها ضعف القدرة على الضبط، وتردد الضحايا في تقديم شكاوى خوفاً من التعقيدات أو المساءلة، خاصة إذا لم يتمكنوا من إثبات حسن النية.

يقول أحد العاملين في مجال الصرافة النظامية إن تطور تقنيات الطباعة جعل من الصعب على غير المختصين كشف التزوير بالعين المجردة. ويوضح أن بعض العملات المزورة يتم إنتاجها بجودة عالية جداً، ما يستدعي استخدام أجهزة خاصة أو تدريب مهني لا يتوفر لغالبية التجار وأصحاب المحال الصغيرة. ويؤكد أن الحل لا يكمن فقط في ضبط المزورين، بل في رفع وعي الناس وتزويد السوق بأدوات الكشف اللازمة.

تنعكس هذه الظاهرة بشكل مباشر على الثقة داخل المجتمع، حيث بات كثير من الناس يتوجسون من التعامل النقدي، ويعيدون فحص الأموال عدة مرات، ما يخلق حالة من التوتر والشك المتبادل. كما أن الخسائر المتكررة التي يتعرض لها التجار الصغار تهدد استمرار أعمالهم، وقد تدفع بعضهم إلى الإغلاق، الأمر الذي يزيد من البطالة ويضعف الحركة الاقتصادية المحلية.

يطالب سكان درعا بتدخل جاد وسريع للحد من انتشار العملات المزورة، عبر تشديد الرقابة على الصرافات غير المرخصة، وتنظيم حملات توعية تشرح للمواطنين طرق الكشف الأولية عن التزوير، إضافة إلى توفير أجهزة فحص بأسعار مدعومة للتجار. ويرى كثيرون أن تجاهل المشكلة سيؤدي إلى تفاقمها، ويجعل من العملة، التي يفترض أن تكون أداة أمان، مصدر خوف يومي.

ولا يمكن النظر إلى انتشار العملات المزورة في درعا كظاهرة منفصلة، بل هي نتيجة مباشرة لظروف اقتصادية وأمنية معقدة. معالجة هذه المشكلة تتطلب جهداً متكاملاً يشارك فيه المواطن والجهات الرسمية والفعاليات الاقتصادية، حفاظاً على ما تبقى من استقرار السوق، وحمايةً للناس من خسائر جديدة في واقع لم يعد يحتمل المزيد.

- Advertisement -

- Advertisement -