تشهد معظم المحافظات السورية تصاعداً ملحوظاً في أزمة الكهرباء مع دخول فصل الصيف، وسط تراجع ساعات التغذية الكهربائية وغياب برامج تقنين واضحة، ما أدى إلى اتساع شكاوى المواطنين من عدم انتظام التيار الكهربائي وتفاوت توزيعه بين المناطق، في وقت لم تصدر فيه الجهات المعنية توضيحات رسمية بشأن أسباب التراجع أو آلية إدارة الأحمال الكهربائية.
وبعد فترة شهدت تحسناً نسبياً في ساعات التغذية خلال الأشهر الماضية، عاد واقع الكهرباء إلى التراجع في عدد من المحافظات، حيث انخفضت ساعات الوصل من نحو 20 إلى 22 ساعة يومياً في بعض المناطق إلى نحو 16 ساعة، بينما لا تتجاوز في مناطق أخرى 12 ساعة يومياً، وتصل في أجزاء من دير الزور إلى أربع أو خمس ساعات فقط خلال اليوم بأكمله.
تفاوت بين المحافظات
يكشف الواقع الميداني عن تفاوت كبير في ساعات التغذية بين المحافظات، بل وحتى بين الأحياء داخل المدينة الواحدة. ففي دمشق وريفها، يشكو السكان من غياب برنامج تقنين ثابت، إذ قد يستمر انقطاع الكهرباء أربع أو خمس ساعات متواصلة، قبل أن تعود لمدة لا تتجاوز ساعة أو ساعتين، بينما تختلف مواعيد الوصل والقطع يومياً، ما يصعّب على الأهالي تنظيم أعمالهم وتشغيل الأجهزة المنزلية أو ضخ المياه إلى الخزانات.
أما في دير الزور، فتبدو الأزمة أكثر حدة، إذ لا تتجاوز ساعات التغذية في بعض المناطق الريفية أربع أو خمس ساعات يومياً، مع اختلاف واضح بين المدينة والريف. وفي محافظات الساحل وحماة، تراجعت ساعات التغذية إلى نحو 17 ساعة يومياً بعد أن كانت تقارب 20 ساعة قبل بداية الصيف، ما يعكس اتساع نطاق الأزمة على مستوى البلاد.
غياب الشفافية يزيد الاحتقان
ولا تقتصر شكاوى المواطنين على قلة ساعات التغذية، بل تمتد إلى غياب الشفافية في إعلان برامج التقنين أو توضيح معايير توزيع الكهرباء بين المحافظات، إذ يرى كثيرون أن ساعات الوصل تختلف بشكل ملحوظ بين منطقة وأخرى دون وجود معايير معلنة، ما يثير تساؤلات حول عدالة التوزيع.
وبحسب تقرير ميداني، لم تتلقَّ وسائل إعلام محلية رداً من الشركة العامة للكهرباء على استفسارات تتعلق بآلية التقنين وخطط تخفيف ساعات الانقطاع، رغم مرور أسابيع على توجيه الأسئلة، الأمر الذي زاد من حالة الغموض لدى المواطنين.
آثار مباشرة على حياة السوريين
وألقت أزمة الكهرباء بظلالها على مختلف جوانب الحياة اليومية، إذ باتت الأسر تواجه صعوبة في تشغيل أجهزة التبريد مع ارتفاع درجات الحرارة، إضافة إلى تعطل ضخ المياه في كثير من الأحيان بسبب عدم تزامن وصول الكهرباء مع مواعيد تشغيل المضخات.
كما انعكس تراجع التغذية الكهربائية على القطاعات التجارية والصناعية، حيث ارتفعت كلفة الإنتاج نتيجة الاعتماد على المولدات الخاصة والطاقة البديلة، بينما اضطرت شريحة واسعة من المواطنين إلى الاستثمار في البطاريات ومنظومات الطاقة الشمسية لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها اليومية، رغم ارتفاع تكاليفها.
مشاريع لتحسين الشبكة… والنتائج محدودة
في المقابل، تواصل المؤسسة العامة للكهرباء تنفيذ عدد من مشاريع الصيانة والتأهيل، من بينها تركيب محولات جديدة في دير الزور وإنشاء مراكز تحويل كهربائية في ريف دمشق بهدف تحسين الجهد الكهربائي وتخفيف الضغط على الشبكة. إلا أن هذه الإجراءات ما تزال محدودة مقارنة بحجم الطلب المتزايد على الكهرباء، خاصة خلال فصل الصيف.
ويرى مختصون أن معالجة الأزمة تتطلب زيادة القدرة الإنتاجية لمحطات التوليد، وتأمين إمدادات مستقرة من الوقود، إلى جانب استكمال إعادة تأهيل شبكات النقل والتوزيع التي تعرضت لأضرار كبيرة خلال السنوات الماضية، فضلاً عن توسيع الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة لتخفيف الضغط على الشبكة العامة.
أزمة مفتوحة
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الطلب على الكهرباء، تبدو الأزمة مرشحة للاستمرار خلال الفترة المقبلة، ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة لرفع الإنتاج وتحسين إدارة التوزيع. وبين شكاوى المواطنين وغياب جداول تقنين واضحة، يبقى التيار الكهربائي أحد أكثر الملفات الخدمية إلحاحاً في سوريا، لما له من تأثير مباشر على الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية والخدمات الأساسية في مختلف المحافظات.