لكل السوريين

التضخم يضغط على الأسر السورية.. دخل يتآكل ونفقات تتسع بلا سقف

لم يعد التضخم في سوريا مجرد مصطلح اقتصادي يرد في التقارير الرسمية أو تحليلات الخبراء، بل أصبح واقعاً يومياً يحدد شكل حياة ملايين الأسر، ويعيد ترتيب أولوياتها المعيشية. فمع استمرار ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وتراجع القيمة الفعلية للدخول، باتت القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية تمثل التحدي الأكبر لغالبية المواطنين، في وقت لا تزال فيه المؤشرات الاقتصادية تواجه ضغوطاً متراكمة.

وتتجلى آثار التضخم في مختلف تفاصيل الحياة، بدءاً من أسعار المواد الغذائية والأدوية، وصولاً إلى تكاليف النقل والتعليم والخدمات، الأمر الذي دفع كثيراً من العائلات إلى تقليص إنفاقها والاستغناء عن احتياجات كانت تعد في السابق من أساسيات الحياة.

أسباب متشابكة وراء موجة الغلاء

يرى الخبير الاقتصادي إيهاب إسمندر أن التضخم الذي تشهده سوريا هو نتيجة تداخل مجموعة من العوامل المحلية والخارجية، وليس انعكاساً لسبب واحد فقط. ويوضح أن التوسع في الكتلة النقدية مقارنة بحجم الإنتاج الحقيقي أسهم في خلق فجوة بين العرض والطلب، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بصورة مستمرة.

ويضيف أن تراجع الإنتاج المحلي خلال السنوات الماضية زاد من اعتماد الأسواق على السلع المستوردة، الأمر الذي جعل الاقتصاد أكثر تأثراً بارتفاع الأسعار العالمية وتقلبات أسعار الشحن وسعر صرف الليرة السورية، وهي عوامل تنعكس مباشرة على تكلفة السلع التي تصل إلى المستهلك.

الأسرة السورية أمام معادلة صعبة

انعكست هذه التطورات بصورة مباشرة على مستوى معيشة الأسر، إذ فقدت الرواتب والأجور جزءاً كبيراً من قدرتها الشرائية، بينما واصلت الأسعار صعودها بوتيرة أسرع من نمو الدخل.

وباتت الأسر مضطرة إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، حيث تذهب الحصة الأكبر من الدخل لتأمين الغذاء والسكن والخدمات الأساسية، مقابل تقليص المصروفات المتعلقة بالصحة والتعليم والملابس والترفيه، فيما تلجأ بعض العائلات إلى الاستدانة أو الاعتماد على التحويلات المالية لتغطية احتياجاتها الشهرية.

مواطنون: الراتب لا يصمد حتى منتصف الشهر

يقول إبراهيم ديوب، وهو موظف يعيل خمسة أبناء، إن الراتب أصبح ينفد خلال أيام قليلة من استلامه، بينما تتغير أسعار المواد الغذائية بشكل متواصل، ما يجعل التخطيط للمصروف الشهري أمراً بالغ الصعوبة.

أما صفية محمود، وهي ربة منزل، فتشير إلى أن ارتفاع الأسعار أجبرها على تقليص كميات الطعام والاستغناء عن عدد من الأصناف الغذائية، موضحة أن الأولوية أصبحت لتوفير الحد الأدنى من متطلبات الأسرة.

بدوره، يؤكد سالم العمري، العامل في القطاع الخاص، أن الأسرة تعيش حالة من القلق الدائم نتيجة استمرار ارتفاع الأسعار، لافتاً إلى أن أي زيادة في الدخل لا تلبث أن تفقد قيمتها أمام موجات الغلاء المتلاحقة.

تداعيات تتجاوز المعيشة

ولا تقتصر آثار التضخم على حياة المواطنين اليومية، بل تمتد إلى النشاط الاقتصادي والاستثماري. فارتفاع الأسعار وتقلب التكاليف يضعفان قدرة المستثمرين على تقدير العوائد المستقبلية، ويؤديان إلى تأجيل العديد من المشاريع، وهو ما ينعكس بدوره على فرص العمل وحركة الإنتاج.

ويؤكد خبراء اقتصاديون أن استمرار هذه الحالة يحد من النمو الاقتصادي ويزيد من صعوبة جذب الاستثمارات، في ظل غياب الاستقرار السعري الذي يعد أحد أهم عوامل تشجيع النشاط الاقتصادي.

كيف يمكن الحد من التضخم؟

يرى مختصون أن مواجهة التضخم تتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات، تبدأ بضبط السياسات النقدية والمالية، والحد من تمويل العجز عبر التوسع النقدي، مع العمل على تحقيق استقرار سعر صرف الليرة السورية.

كما يؤكدون أهمية دعم الإنتاج المحلي، ولا سيما المشروعات الصغيرة والمتوسطة، لتوسيع المعروض من السلع وتقليل الاعتماد على الاستيراد، إلى جانب تعزيز برامج الحماية الاجتماعية الموجهة للأسر الأكثر تضرراً من ارتفاع الأسعار، بما يخفف من الأعباء المعيشية ويحافظ على الحد الأدنى من القدرة الشرائية.

تحدٍ اقتصادي واجتماعي

يمثل التضخم اليوم أحد أكثر الملفات إلحاحاً أمام الاقتصاد السوري، نظراً لارتباطه المباشر بمستوى معيشة المواطنين واستقرار الأسواق. ويرى مراقبون أن الحد من آثاره لن يتحقق عبر إجراءات قصيرة الأجل، بل يحتاج إلى إصلاحات اقتصادية شاملة تعيد تنشيط الإنتاج، وتعزز الاستقرار النقدي، وتوفر بيئة أكثر جذباً للاستثمار، بما ينعكس على تحسين الدخول واستعادة جزء من القوة الشرائية التي فقدتها الأسر السورية خلال السنوات الماضية.

- Advertisement -

- Advertisement -