لكل السوريين

اللاذقية… يافعين بلا قيود ولا أوراق تثبت شخصيتهم

اللاذقية/ يوسف علي

في حدود سنّ السابعة عشرة يقف الشاب أو الشابة على هامش الحياة المدنية: لا بطاقة تثبت هويتهم، ولا ورقة تُؤكّد جنسيتهم، ولا قيد يتيح لهم عبور الحدود الإدارية بين المحافظات والأرياف بسهولة.

ما يبدو مشكلة إدارية صار بعد سقوط النظام أمراً يومياً يؤثر في حياتهم وامنياتهم بأبسط تفاصيلها، إذ توقّف مكتب الأحوال المدنية عن إصدار الهويات في وقتٍ حساس، عندما بلغ كثير من اليافعين سن الخامسة عشرة الواجبة لإصدار البطاقة، فترّكهم بلا مستندات بينما يطلب إثبات الهوية في كل ميدان.

التحقق عند الحواجز أصبح مشهداً متكرراً شباب يقفون ساعات أمام نقاط تفتيش منتشرة بين الريف والمدينة، أو بين المحافظات، تحمل وجوههم سؤالاً واحداً لا جواب له أين بطاقاتكم الشخصية؟ . الحواجز الأمنية، كما يقول أولئك الذين يمرّون بها يومياً، لا تفرّق بين مَنْ يحملون وثيقة أو لا لكن عدم وجود وثيقة يزيد من احتمال توقيف مؤقت، تأجيل للمعاملات، أو رفض للسفر والانتقال للعمل.

وفي بلد تتكثف فيه الحواجز وتختلف فيه الإجراءات من محافظة إلى أخرى، تتحول الهوية إلى بوابة عبور أو عائقٍ يفرض قيوداً على حرياتٍ أساسية.

بعيداً عن نقاط التفتيش، يعيش اليافعون حالة من الضياع القانوني: لا تسجيل لتغيير الوضع الأسري، صعوبة في الحصول على خدمات صحية أو تعليمية مرتبطة بالوثائق، وامتناع مؤسسات عن تقديم معاملات تتطلّب هوية ثابتة، حتى شركات الاتصال تتمنع من أن تبيعهم خطوط أتصال لعدم وجود ما يثبت وجودهم.

ومع غياب سجل مدني فعال يعمل بكفاءة، يصبح الشاب أو الشابة عرضة للتهميش ومعرَّضاً لاستغلالاتٍ متعددة من تأخير الالتحاق بالمدارس أو الجامعات إلى عوائق في سوق العمل الرسمي الذي لا يعترف إلا بالوثائق.

ومن زاوية إنسانية تبدو القضية أكثر قسوة، يجد المراهقون الذين كانوا يتطلعون لبداية حياتهم العملية أو لاستكمال دراستهم أن غياب البطاقة يربك مخططاتهم ويقوض ثقتهم بالمستقبل، حتى أن الأسر التي حاولت تسجيل أبنائها وجدت أن الواقع الجديد يفرغ من معناه إجراءات كانت روتينية من قبل، لتتحول إلى عملية معقّدة لا مخرج لها إلا بعودة نظام سجل مدني فعّال أو بآلية طوارئ تعيد إصدار الوثائق.

الأزمة ليست مجرد نقص في طابعات أو نماذج، بل ثغرة تترك أجيالاً بلا هوية رسمية في وقت يحتاجون فيه إلى إثبات وجودهم القانوني أمام أي سلطة أو مؤسسة.

وفي بلد يختلط فيه الأمن بالمدني، تصبح البطاقة أكثر من ورقة؛ إنها درع من البيروقراطية ومن الاحتكاك اليومي مع محاور القوة، وغيابها يترك آثاراً تتجاوز الأزمة الإدارية لتصل إلى جوهر المواطنة نفسها.

- Advertisement -

- Advertisement -