لكل السوريين

دمشق تحترق.. ألواح الثلج تتحول إلى شريان حياة في ظل انقطاع الكهرباء

دمشق/ مرجانة إسماعيل

في شوارع دمشق التي تغلي تحت شمس آب الحارقة، تتحول ألواح الثلج إلى عملة ثمينة يتهافت عليها السكان يائسين للحصول على قطعة من البرودة. أمام محال بيع الثلج، تتشكل طوابير طويلة من نساء ورجال وأطفال، يحملون دلاء وأكياساً بلاستيكية، ينتظرون دورهم لشراء ما قد يكون شريان حياتهم الوحيد في مواجهة الحر القاتل.

أم علي (45 عاماً)، سيدة من حي الميدان، تقف تحت الشمس الحارقة منذ ساعتين تنتظر دورها. “لم نعد نستطيع النوم ليلاً بسبب الحر وانقطاع المروحة”، تقول وهي تمسح العرق عن جبينها. “الثلج أصبح ضرورة وليس رفاهية. نضعه في الغرفة لتبريد الهواء، ونستخدمه لحفظ الطعام من التلف”.

معاناة الدمشقيين مع انقطاع الكهرباء تصل إلى ذروتها هذا الصيف، حيث تصل ساعات القطع إلى 18 ساعة يومياً في بعض الأحياء. الوعود الحكومية بتأمين الكهرباء 10 ساعات يومياً بقيت حبراً على ورق، مما دفع السكان إلى البحث عن حلول بدائية لمواجهة أزمة لم يشهدوا مثلها من قبل.

في حي برزة، يحول أبو محمد (50 عاماً) فناء منزله إلى مصنع صغير للثلج. يشير إلى المولد الكهربائي الذي يعمل بالوقود: “أعمل 20 ساعة يومياً لأنتج الألواح الثلجية. الطلب كبير جداً ولا أستطيع تلبية كل الطلبات”. يبيع أبو محمد اللوح الكبير بـ6000 ليرة سورية (أقل من دولار)، وهو سعر يعتبره الكثيرون باهظاً لكنهم مضطرون لدفعه.

لكن هذه الصناعة المحلية لا تخلو من المخاطر الصحية. الدكتورة سعاد الحلبي، أخصائية أمراض الجهاز الهضمي، تحذر: “الكثير من الباعة يستخدمون مياه الآبار غير المعالجة والتي قد تحتوي على بكتيريا ضارة مثل الإشريكية القولونية”. وتضيف: “شرب المياه المبردة بهذا الثلج قد يؤدي إلى أمراض خطيرة، خاصة بين الأطفال وكبار السن”.

رغم هذه التحذيرات، يضطر الكثيرون للمخاطرة. أحمد (32 عاماً)، أب لثلاثة أطفال، يقول: “ماذا نفعل؟ المياه في الخزان ساخنة لدرجة لا يمكن شربها. الثلج هو الحل الوحيد لتبريدها”.

الأزمة لم تؤثر فقط على صحة السكان، بل على اقتصاديات الأسر أيضاً. فاطمة (38 عاماً)، أم لطفلين، تحسب بدقة: “ننفق حوالي 20 ألف ليرة يومياً على الثلج، هذا يعني 600 ألف ليرة شهرياً، وهو ما يعادل راتب موظف حكومي”.

في الأحياء الفقيرة مثل الحجر الأسود وتضامن، تصل المعاناة إلى مستويات غير مسبوقة. الكثير من العائلات لا تستطيع شراء الثلج بانتظام، فتضطر إلى استخدام وسائل بدائية مثل تعليق الملاءات المبللة على النوافذ، أو النوم على الأسطح رغم المخاطر الأمنية.

المديرية العامة للأرصاد الجوية حذرت من موجة حر شديدة تضرب البلاد، مع درجات حرارة تتجاوز 40 مئوية. هذا التحذير زاد من ذعر السكان الذين يعانون أصلاً من انقطاع الكهرباء المزمن.

الدكتور نبيل السعدي، مدير الشؤون الصحية في دمشق، يؤكد أن المديرية سحبت 13 عينة من محال بيع الثلج المرخصة، وكانت النتائج مقبولة. لكنه يحذر من الباعة الجوالين: “الثلج المعروض في الشوارع لا يخضع لأي رقابة صحية، وننصح بعدم شرائه”.

لكن هذه النصيحة تبدو صعبة التطبيق في ظل الحاجة الملحة. الكثير من الباعة الجوالين يستغلون الأزمة، فيعرضون ثلجاً مجهول المصدر بأسعار مخفضة. محمد (28 عاماً)، بائع متجول في ساحة الشهداء، يعترف: “أجمع الثلج من مصادر مختلفة وأبيعه بسعر أقل. أعرف أنه غير آمن، لكن الناس تشتريه لأنهم لا يجدون بديلاً”.

الأزمة الكهربائية تترك آثارها أيضاً على القطاع الصحي. المستشفيات تعتمد على المولدات الاحتياطية، لكنها تواجه صعوبة في تأمين الوقود اللازم. الدكتور ياسين الحمصي، مدير مستشفى المواساة، يقول: “نضطر إلى تقليل استخدام أجهزة التبريد في الأقسام غير الحرجة، ونركز على غرف العمليات والعناية المشددة”.

الحكومة تعد بحلول قريبة، أبرزها تدفق الغاز الأذربيجاني عبر خط إقليمي جديد. أحمد السليمان، مدير الاتصال الحكومي بوزارة الطاقة، يؤكد أن هذا المشروع سيزيد ساعات الوصل بمقدار 5 ساعات يومياً. لكن السكان يبدون تشككاً تجاه هذه الوعود، بعد سنوات من الانتظار دون تحسن ملموس.

في هذه الأثناء، يستمر الدمشقيون في معاناتهم اليومية. ليلى (25 عاماً)، طالبة جامعية، تصف الوضع: “أصبحت حياتنا تدور حول توقيت الكهرباء. نخطط لنومنا وطعامنا وغسل ملابسنا حسب ساعات الوصل. نحن نعيش وفق جدول كهربائي، وليس جدول حياتنا”.

رغم القسوة التي يعيشها السكان، تظهر قصص للتضامن الاجتماعي. في حي القابون، ينظم الشباب مبادرة لتوزيع الثلج مجاناً على العائلات الفقيرة وكبار السن. خالد (30 عاماً)، أحد المتطوعين، يقول: “نحن نعاني جميعاً، لكن يجب أن نساعد من هم أكثر معاناة منا”.

أزمة الكهرباء في دمشق أصبحت أكثر من مجرد انقطاع للتيار، إنها قصة صمود يومي لشعب يحاول الحفاظ على إنسانيته في ظل ظروف قاسية. كما تقول أم علي: “نحن لا نطلب الكثير، فقط أن نتمكن من تبريد ماء لأطفالنا، وأن ننام ليلة واحدة دون أن نخنق من الحر. هذا كل ما نريده”.

- Advertisement -

- Advertisement -