حماة/ جمانة الخالد
تتعرض محافظة حماة لعمليات نهب منظمة تهدد بإفراغها من هويتها وذاكرتها. فتحت غطاء الظلام، وتستفيدًا من الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، يعمل “صيادو الكنوز” غير الشرعيين على تمشيط المواقع الأثرية، محولين إياها إلى جروح غائرة في جسد الثقافة السورية.
لم تعد هذه الظاهرة مجرد حفر عشوائي، بل تحولت إلى شبكة معقدة من التخريب الممنهج، تبدأ بمعاول تقليدية وتنتهي بصفقات دولية عبر منصات إلكترونية مغلقة. تقف حماة، بمخزونها الأثري الهائل الذي يمتد من العصور الكنعانية حتى العصر العثماني، على خط المواجهة الأول في هذه المعركة غير المتكافئة، حيث تروي جدران مواقعها المنهوبة حكايات صمتت عنها السلطات طويلاً.
يقول أحد الناشطين في مجال حماية التراث، فضل عدم الكشف عن اسمه خوفًا من التعرض للمخاطر: “ما يحدث هو جريمة بحق الإنسانية جمعاء. كل يوم نكتشف حفرة جديدة، موقعًا آخر تمت إفراغه من محتواه، وقصة أخرى ضاعت إلى الأبد”. ويضيف بأن المنقبين يستخدمون أجهزة متطورة، ويعملون في مجموعات منظمة، مما يجعل مواجهتهم مهمة شبه مستحيلة في ظل شح الإمكانيات.
من جهتها، تحاول مديرية آثار حماة، برغم كل التحديات، احتواء الكارثة. يؤكد مصدر رسمي من المديرية أنهم يعملون على تطوير استراتيجية جديدة تعتمد على التعاون مع المجتمع المحلي، وتحويله إلى شريك في حماية هذا الإرث. “نحن ندرك أن الحل الأمني وحده لن يجدي نفعًا. التوعية وبناء شعور بالمسؤولية الجماعية هو السلاح الأقوى”، يوضح المصدر.
غير أن المعوقات كبيرة. فبالإضافة إلى التحديات اللوجستية والأمنية، تواجه المديرية أزمة تمويل حادة، جعلت مشاريع الترميم والحماية شبه متوقفة. كما أن القوانين العقابية، رغم وجودها، تواجه صعوبة في التطبيق على الأرض، خاصة عندما تكون عصابات التنقيب مسلحة ومحمية من جهات نافذة.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، تبرز قصص فردية لمقاومة هذا النزيف. مجموعة من شباب حماة، على سبيل المثال، شكلوا مبادرة تطوعية تحت اسم “حراس الذاكرة”، يقومون بدوريات ليلية حول بعض المواقع المهددة، ويحاولون توثيق الانتهاكات بكاميراتهم الشخصية. يقول أحد أعضاء المبادرة: “نعلم أن جهودنا قد تبدو قليلة، لكننا لن نسلم تراث أجدادنا للنسيان. إذا لم نحمه، فمن سيفعل؟”.
تبقى قضية التنقيب غير المشروع في حماة معركة ضد النسيان، ضد الخراب، وضد جشع يهدد بسرقة ذاكرة شعب بأكمله. في كل حفرة غير شرعية، يُدفن جزء من الحقيقة، وتضيع حلقة من حلقات التاريخ المتواصلة، مما يذكرنا بأن بعض الكنوز، بمجرد فقدانها، لا تعود أبدًا.