حماة/ جمانة الخالد
تبدو الحياة الاتصالية في حماة وسط سوريا متعثرة أمام نظر سكان كثيرين تواجه هواتفهم الأرضية مشاكل متكررة تجعل التواصل مع العالم الخارجي تحدياً حقيقياً.
الهواتف التي كانت طوال عقود وسيلة رئيسية للاتصال بين الأسر والأصدقاء والخدمات الرسمية صارت تمثل مصدر قلق أكثر من كونها أداة تواصل، تعكس واقعاً أعمق من مجرد عطل فني، بل مشكلة تضرب البنية الاتصالية الأساسية في المحافظة.
في حي المساكن بحماة، يقف أبو كمال (57 عاماً) أمام عمود هاتف قديم متآكل، وهو يستعيد ما حدث معه خلال الأشهر الماضية: “منذ أشهر عدة، والانقطاع أصبح شبه دائم. لم يعد بإمكاني أن أتصل لأبنائي في خارج المدينة، وحتى رقم الطوارئ أحيانا لا يستجيب.” هذه الكلمات التي يرددها أبو كمال ليست مجرد شكوى فردية، بل تعبر عن إحباط آلاف المواطنين الذين يعيشون حالة من الخلل في خدمات الهاتف الأرضي وتكرار الأعطال التي تتجاوز مجرد انقطاع لمدة ساعة أو ساعتين، بل تمتد أحياناً لأيام.
وتضيف سلوى، أم لثلاثة أطفال في نفس الحي، أن أعطال الخط الأرضي أثرت على حياتها بشكل كبير: “عندما أجرب الاتصال لأطلب دواء أو أتابع مواعيد مدرسية، يرن الهاتف بلا توقف، أو يُنقطع الصوت فجأة، وكأن أحداً لا يسمعني.” في كثير من الأحيان، تغيب الخدمة تماماً، مما يدفع أهل الحي للبحث عن حلول بديلة مثل استخدام الهاتف المحمول أو الإنترنت عبر البطاقات المتنقلة، رغم أن هذه الوسائل لا تعوّض بالكامل عن الهواتف الأرضية التقليدية.
اليوم هناك عدة أسباب وراء هذا الواقع في حماة، بعضها تقني وبعضها مرتبط بالبنية التحتية القديمة التي لم تشهد تحديثاً كافياً منذ سنوات طويلة. من أبرز المشاكل التي تطرحها مصادر محلية هو سرقات الكابلات الأرضية التي تربط المراكز الهاتفية بالمشتركين، ما يؤدي إلى خروج خطوط بأكملها عن الخدمة وتدهور جودة المكالمات. هذا الأمر لا يقتصر على حماة وحدها، بل يُلاحَظ في مناطق عدة، حيث تؤثر سرقات الكابلات على الشبكات الأساسية وتزيد من عبء الصيانة والأعطال المتكررة.
كما يعاني بعض الأحياء من مشكلات في الصرف الصحي تتسبب في تلف الكابلات الأرضية داخل الأرضية، مما يحرمان عشرات العائلات من الخدمات سواء كانت هاتفاً أرضياً أو اتصالاً بالإنترنت عبر DSL، وهو ما دفع الكثيرين لتقديم شكاوى عديدة دون أن يتحقق تحسين واضح في الوضع. وقد قال بعض السكان إنهم توجهوا إلى دوائر الخدمات المختصة مرات عديدة، لكنهم ما لبثوا أن عادوا إلى نقطة الصفر دون إصلاحات فعلية أو حلول جذرية.
في هذا السياق، يروي عماد، شاب يعمل مدرساً، عن تأثير الأعطال المتكررة على عمله: “أعتمِد كثيراً على الاتصال الهاتفي لترتيب مواعيد الدروس أو التحدث مع أولياء الأمور، لكن عندما يتعطل الهاتف يتوقف كل شيء لحين عودته للعمل. هذا يؤثر على مصداقيتي ويزيد من ضغوط العمل.” ويضيف قائلاً إن الأعطال المتكررة تضطره لاستخدام حزم بيانات الجوال بشكل مؤقت، مما يزيد من مصاريفه الشخصية بدلاً من الاعتماد على الهاتف الأرضي الذي يفترض أن يكون أرخص وأكثر استقراراً.
من جهة أخرى، هناك جهود تظهر من الجانب الفني لمحاولة تحسين الوضع. فبعض فرق الاتصالات تعمل على إعادة تأهيل مراكز الهاتف في أحياء متعددة، وتحديث الأجزاء التالفة من الكابلات، والبحث عن حلول تقنية مثل تمديد الشبكات باستخدام تقنية الألياف البصرية في بعض المناطق الجديدة، إضافة إلى محاولة إطلاق خدمات إنترنت محسنة تعمل عبر نفس البنية التحتية الهاتفية في بعض المناطق.
لكن تلك الجهود تبقى محدودة أمام حجم المشكلة التي تتطلب موارد كبيرة وخططاً طويلة الأمد لتحديث الشبكات بشكل كامل بدل الإصلاحات الجزئية. يشير مختصون إلى أن الهاتف الأرضي لا يزال يشكل أساساً هاماً للبنية الاتصالية في المحافظة، خصوصاً مع اتساع الطلب على الخدمات الرقمية، وأن تحسينه لن يكون ممكناً دون استثمارات في البنية الأساسية وتنسيق مع الجهات المعنية للصيانة الدورية والتحديث المستمر.
وبينما يبقى الهاتف الأرضي مهماً للاتصالات اليومية وإتمام المعاملات الرسمية وحتى الطارئة، يرى بعض المواطنين أن الانتقال التدريجي إلى تقنيات أحدث مثل الاتصالات القائمة على الألياف أو الخدمات الرقمية المتقدمة قد يكون حلاً فعّالاً على المدى الطويل، شريطة أن يترافق ذلك مع دعم فني وتعويض للخدمات القديمة المتعثرة.
في أحد أركان الدائرة البريدية الرئيسية بحماة، يؤكد موظف هناك أن “عدد الأعطال التي تُسجَّل يومياً في خطوط الهاتف الأرضي يتجاوز قدرة الفريق الفني على المعالجة الفورية، خصوصاً عندما تكون الأعطال نتيجة تلف الكابلات أو سرقتها، ما يتطلب وقتاً أطول لإصلاحها.” ويضيف أن الحلول المؤقتة كثيراً ما تُستخدم لإعادة الخدمة بسرعة، لكن التحدي الحقيقي يبقى في بناء شبكة أكثر مقاومة للتلف والسرقات وأعطال البنية التحتية.
يبقى الهاتف الأرضي في حماة رمزاً لصراع بين القديم والجديد، بين الخدمات التي تُعدّ ضرورية يومياً وبين التغييرات التقنية التي تنتظرها المدينة. يظل السؤال قائماً بين الناس: هل يمكن أن تُعاد شبكات الهاتف الأرضي إلى ما كانت عليه من قوة وثبات؟ وهل ستشهد حماة حلولاً حقيقية تليق بحياة معاصرة؟ يظل الأمل معلقاً على إرادة فنية واستثمارات حقيقية تُنقذ الهاتف الأرضي من أعطال تتكرر بلا رقيب، وتُعيده إلى خريطة الاتصالات اليومية في حياة الناس.