تسونامي أسعار المواد التموينية والاستهلاكية لم يتوقف عند الزيت والزيتون بل أصاب التين المجفف مع اقتراب موسمه هذا العام، ليبلغ أسعارا غير مسبوقة، حرمت منه معظم شرائح المجتمع الساحلي الذي لطالما اعتادوا عليه باعتبار المنطقة منتجة له، وسيحرم ارتفاع سعر التين المجفف كثيرا من المواطنين من تناوله، وترافق مع ارتفاع كافة الأسعار مع الارتفاع في حد الفقر وانخفاض الأجور والقدرة الشرائية للمواطن وتراجع قيمة صرف الليرة السورية، مما ساهم بشكل كبير في الإقبال على شراء التين المجفف.
لقد تضاعفت أسعار تنكة زيت الزيتون العام الماضي، وارتفعت الى أكثر من مليون ونصف المليون ليرة سورية، وارتفعت أيضا أسعار التين السطحي المجفف، وصعدت أسعار هذه المادة الغذائية القيمة مجددا ليبلغ سعر الكلغ ما بين 105 إلى 115 ألف ليرة، والتين المجفف يتميز بطعمه اللذيذ فهو يحتفظ بمذاق الثمار الطازجة مما يجعلها تكتسب طعم شهي.
تحتل شجرة التين مكانة خاصة لدى أهالي اللاذقية وريفها، وتعتبر شجرة التين مقدسة ولها طقوس خاصة فقد وردت في العديد من الاساطير اليونانية والرومانية، وشوهدت آثار تدل على زراعة التين في ريف جبلة وبانياس، كما كانت شجرة التين مقدسة عند الإغريق والرومان وكثيرا ما ذكرت في أشعارهم وطقوسهم، وكان يعد قطاف أول ثمرة تين في الموسم بداية الأعياد والأفراح.
يزرع التين بالساحل السوري حيث يمكن أن نجده عند مستوى سطح البحر وحتى ارتفاع يزيد عن 1500م عن سطح البحر، وكان التين يغطي مساحات واسعة من أراضي وحواكير قرى جبلة وبانياس وعلى أطراف وتخوم البساتين وعلى جوانب الطرقات والبيوت، لكنها تراجعت مع هجرة السكان من الريف إلى المدينة، والزحف العمراني الكبير والناتج عن زيادة الكثافة السكانية، والهجوم العنيف للآفات والأمراض الفتاكة لهذه الشجرة وتقاعس المزارعين والفنيين عن معالجتها ومكافحتها، والمشروعات الخدمية والتجارية التي التهمت مساحات ليست بالقليلة، وعزوف المزارعين أنفسهم عن الزراعة عموما والتحاقهم بوظائف حكومية أو خاصة أو تجارية أو خدمية ذات مردود سريع، كما أن ما تبقى من المساحة الزراعية تراجع امام زراعة الحمضيات والزيتون والبيوت البلاستيكية وغيرها حلوا محل زراعة التين، كما أن الكثير اتجهوا لزراعة الزيتون في المناطق الجبلية المرتفعة والحمضيات في السهل وباتت تزرع شجرة التين في حدائق المنازل القروية.
أن شجرة التين من أكثر الأشجار المثمرة المعروفة بتحملها لمختلف أنواع التربة من الضحلة إلى عالية الخصوبة، ومن التربة الخفيفة إلى الثقيلة، كما تتحمل كل الظروف الجوية والبيئية من جفاف وبرودة وحرارة عالية وتختلف أصناف التين من المبكرة النضج في أوائل الصيف حزيران إلى متأخرة النضج حتى كانون الأول ويعرف بالتين الشتوي، وتختلف الأصناف بلونها أيضا من الخضراء إلى البنية المحمرة إلى السوداء، كما تختلف بلون لبها من الأبيض العسلي إلى الأحمر القانئ، وهنالك أكثر من 33 صنفا في ريف جبلة وريف اللاذقية ومن أشهرها: الخضيري، السلطاني، البريغلي، السماقي، العبيدي، الزريقي، المديوري، الشبلي، العسيلي، الصفيري، الغزيلي، الشتوي، الصر صعاني، الورواري، وغزيلي ساحلي وخضيري ساحلي وشتوي أسود، الملكي والقطيني والحمريني والصفراوي والزريقي والبرطاطي.
كان التين اليابس هو الحلوى الوحيدة المتداولة، وكان يؤكل مع الطحينة، كما كان يستخدم التين المجفف للمقايضة ببعض المستلزمات والحاجيات وحتى شراء الأراضي، إن التين كان مادة رئيسة للكثير من الناس سواء كان بثماره الخضراء أو اليابسة والبعض كان يضطر لتناوله على ثلاث وجبات عندما تكون أحواله المادية غير ميسورة، عندما كان الإنتاج غزيرا من ثمار التين وزائدا عن الاستهلاك اليومي كان يترك على الشجرة إلى ما بعد النضج حتى تذبل الثمار وتسمى عندها: كعيبة، تقطف وتضغط براحتي اليدين أو الإبهام والسبابة وتوضع على السطح وبالعامية أي تسطح على السطح، وتترك لتتعرض لأشعة الشمس حتى تجف تماما وتقلب يوميا حتى تنشف من الماء، تجمع وتخزن في الخابية وهي عبارة عن خزانة مصنوعة من الطين مكعبة أو اسطوانية الشكل مفتوحة من الأعلى وبفتحة صغيرة من الأسفل، تتم تعبئة التين اليابس من الأعلى، ثم يؤخذ منه حسب الحاجة من الفتحة السفلية التي تغلق بقطعة خشبية أو قماشية، وكان يصنع من التين مربى التين حيث يقطع إلى مكعبات صغيرة ويغلى مع السكر على نار هادئة ويضاف إليه الفستق أو السمسم أو الجوز ويعبأ في مرطبانات ويستهلك كمربيات في الشتاء، أما بالنسبة للثمار صغيرة الحجم فكانت تغلى بالسكر كما هي وتعبأ في المرطبانات حيث تبقى محافظة على شكلها، ويعتبر التين ذو مردود جيد حيث يأتي إنتاجه من شجرة برية لا تحتاج إلى عناية، وهي غائبة تماما عن الاهتمام وعن الخطة الزراعية، فشجرة التين شجرة برية لا تحتاج إلى أرض خصبة، وتنتج تحت جميع الظروف البيئية، وتحتاج إلى عناية بسيطة وقلما يتم سقايتها وتعطي إنتاجا بعد حوالي 5 سنوات من زراعتها، ويتم استهلاكه طازجا بكثرة، إضافة إلى انتشار ورشات تجفيف للتين، وصناعة المربى، وحديثا هناك من يعمل على تغليفه وبيعه، فثمن كيلو التين المجفف ضعفي كيلو التين الطازج ومطلوب في الأسواق على مدار العام.
ويعد التين المجفف من الفواكه اللذيذة التي تحتوي على كميات مركزة من العناصر الغذائية المفيدة ويتم تصنيعه من ثمار التين بعد وضعها في الشمس والهواء وتركها حتى تجف أو تبخيرها كما يوفر موسم التين فرص عمل للعديد من العائلات.