دمشق/ مرجانة إسماعيل
في أزقة حيّ القيمرية العتيقة بدمشق، تمتد حكاية لا تشبه أي حكاية أخرى. أزقة ضيقة تتوهج بالحياة رغم السنين، وسوق تنبض جدرانه بإيقاع المطرقة على النحاس ورنين الملاعق الفضية، وكأن كل ضربة تكشف طبقة جديدة من ذاكرة مدينة لا تنام. هناك، تتعانق رائحة القهوة العربية مع عبق البهارات، فتتشكّل لوحة حسية تستقبل الزائر قبل أن يخطو أول خطوة داخل عالم النحاسيات الدمشقية.
هذه الحرفة ليست مجرد صناعة محلية، بل إرث يمتد لعقود طويلة، تورّثه العائلات جيلاً بعد جيل كأنه جزء من الهوية. كل قطعة تُصنع هنا تحمل في نقوشها سرداً لحياة دمشقية قديمة، وتتجلى فيها الفنون الشرقية التي تتداخل فيها الزخارف الهندسية مع الحِرف اليدوية الدقيقة.
ورشة ضيقة… وكنز من التاريخ
داخل محل صغير يشبه المتحف الحي، يقف الحرفي جمال حمدان وسط مجموعة من الصواني المزخرفة وفناجين القهوة التي صنعت بعناية فائقة. جمال الذي ورث المهنة عن والده منذ أكثر من ثلاثين عاماً، يقول والحنين يلمع في صوته:
“كل قطعة أصنعها هي حياة بحد ذاتها… ليست مجرد سلعة. أشعر أني حين أنقش النحاس أنقش ذاكرة دمشق نفسها.”
ورغم اعتزاز جمال بالمهنة، إلا أنه يعترف بصعوبات الواقع الاقتصادي، فالسوق المحلي يعاني ضعفاً في القدرة الشرائية، ويعتمد الحرفيون بشكل كبير على السياح والمغتربين بحثاً عن رزق يحفظ استمرارية الحرفة.
النقش على النحاس… صبرٌ يتوارث
على بعد خطوات من متجر جمال، يجلس الحرفي رائد صبّاغ منهمكاً في نقش صينية كبيرة. يداه تتحركان بثبات وخبرة، وكأنه يعزف لحناً معدنياً يعرفه منذ طفولته.
يقول رائد: “الفنجان الصغير يحتاج لساعتين، والصينية الكبيرة قد تمتد لأيام. كل ضربة مطرقة لها وزن ومعنى. القطعة اليدوية ليست مجرد معدن… هي روح الحرفي مختومة فوقها.”
يضيف أن ارتفاع أسعار المواد الخام وصعوبة بيع المنتجات محلياً يدفعهم لتصدير معظم أعمالهم إلى العراق ولبنان ودول الخليج، فهذه الأسواق أكثر قدرة على تقدير قيمة العمل اليدوي.
السوق… تجربة تتجاوز الشراء
سوق النحاسيات في القيمرية ليس مجرد مركز تجاري، بل تجربة حسية كاملة. يرى الزائر أشعة الشمس تنعكس على النقوش المتقنة، ويسمع رنين الأدوات المعدنية، ويلمس بيده خطوطاً محفورة بدقة تشهد على ساعات طويلة من العمل. لهذا السبب، يعتبر الكثير من السياح هذه الأسواق وجهة أساسية لفهم روح المدينة.
حكاية سلوى… فضيات تعاند الغياب
في زاوية أخرى من السوق، تقف سلوى كمال أمام محلها الصغير، تلمع الفضة بين يديها مثل كنز شرقي. تروي سلوى هموم الحرفة بحسرة ممزوجة بالصبر:
“الشراء المحلي شبه غائب… الأجيال الجديدة لا تتعلق بالتراث كما كنا نفعل. نعتمد غالباً على السياح والمغتربين، لكن حبنا للمهنة هو ما يبقينا واقفين.”
وتضيف أن ارتفاع أسعار المواد وانخفاض القدرة الشرائية يجعل الصمود صعباً، لكنه لا ينقص من إصرار الحرفيين على حماية تاريخهم.
أصالة تحمل رسالة… وشهادات أخرى من قلب المهنة
الحرفيون هنا يتعاملون مع النحاس كأنه كائن حي. كما يقول الحرفي المخضرم أبو فادي، الذي تجاوز السبعين من عمره:
“النحاس بيحكي… وإذا سمعت صوته بتعرف القطعة منيحة ولا لأ. نحن ما منشتغل للربح بس… منشتغل لحتى يضل اسم الشام عالي.”
أما الشاب سامر الخطيب، أحد المتدربين الجدد في السوق، فيرى أن الحرفة قد تكون باباً لتحسين المستقبل:
“أنا أتعلم المهنة منذ عامين. صحيح أنها صعبة، لكنها تعلّم الصبر وتعطيك هوية. أتمنى أن تعود أيام الازدهار كي يعود الشباب لورشات النحاس بدل البحث عن عمل خارج البلد.”
السياح… شريان الحياة الأخير
يُجمع الحرفيون أن السياح والمغتربين يشكّلون اليوم العمود الفقري للسوق. فهم يبحثون عن قطع تذكارية تحمل روح دمشق القديمة، ويعتبرون كل فنجان أو صينية بمنزلة كنز يعودون به إلى بلادهم. أما السكان المحليون، فقلّما يستطيعون شراء هذه القطع بسبب ارتفاع الأسعار.
ما مستقبل النحاسيات؟
استمرار هذه المهنة يتطلب أكثر من صمود الحرفي. يشير الخبراء والحرفيون إلى مجموعة حلول ضرورية، منها:
برامج دعم مالي للحرفيين وأصحاب الورش.
إقامة معارض داخلية وخارجية لتعريف الناس بقيمة الحرفة.
تشجيع التصدير وتسهيل الإجراءات التجارية.
تدريب الشباب على المهنة عبر برامج رسمية ومراكز تدريب فنية.
حماية الأسواق التراثية من التغيير العمراني وفوضى الباعة.
دمشق… مدينة تصهر الحكايات
في نهاية المطاف، يظل سوق النحاسيات انعكاساً حياً لفلسفة دمشق نفسها؛ مدينة تقاوم البلاء بالصبر، وتحول المعدن الخام إلى جمال خالد. الحرفيون هنا لا يطرقون النحاس فقط، بل يطرقون ذاكرة مدينة، ويحفظونها من الضياع.
كل قطعة، من أصغر فنجان إلى أكبر صينية، ليست مجرد تحفة، بل شهادة على استمرار الحياة، وتأكيد أن روح دمشق… لا تزال تنبض في كل نقشة يدوية وفي كل ضربة مطرقة تتردّد في أزقتها القديمة.