لكل السوريين

مطالب العدالة في حماة.. رهان محفوف بين الحقيقة والفوضى

حماة/ جمانة الخالد

منذ اندلاع الاحتجاجات عام 2011 تحوّل اسم حماة لدى كثيرين إلى رمز لذكريات القمع والاختفاء والقتلى، ومع استمرار غياب تحقيق قانوني شامل تحول مطلب العائلات بمعرفة الحقيقة ومحاسبة المسؤولين إلى مطلب جماعي يتصاعد بين الحين والآخر، لكنه يواجه في الوقت نفسه مخاوف عميقة من أن تؤدي المطالب المكثفة إلى توترات قد تتحول إلى فوضى إذا لم تُدار بحذر. في ربيع 2011 شهدت المدينة احتجاجات ضخمة ثم تدخلًا عسكريًا حازمًا أفضى إلى سقوط قتلى وجرحى وعمليات اعتقال واسعة، وهي أحداث شكلت بداية ملف طويل من المطالبات بالعدالة لا يزال مستمرًا حتى اليوم.

أم وائل، امرأة سبعينية من حي الطلائع، تحكي بصوت لا يخلو من مرارة كيف أن اسم ابنها اختفى من قوائم الأحياء والمفقودين منذ اعتقاله في منتصف عام 2011. تقول إنها شاركت في حملات توثيق صغيرة داخل الحي وخارجه، ووقعت مع عشرات العائلات على عرائض طالبت بالبحث في مصير المختفين، لكنها تشكو من أنه “لا يوجد رد رسمي واضح” وإن كل وعود المتابعة تنتهي عند حدود اللقاءات الكلامية. قصتها تعكس إحباط عشرات العائلات التي نظمت نفسها لاحقًا داخل وخارج سوريا لتوثيق حالات الاختفاء والاعتقال. تقارير من منظمات حقوقية وملفات التحقيق الدولية تشير إلى نمط واسع من الاحتجاز التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري منذ 2011، وهو ما أفرز آلاف الشكاوى التي تنتظر إجراءات قضائية جادة.

في السنوات التالية توافرت أدلة وصور وملفات (من بينها ما عُرف بصور “قيصر”) التي أظهرت مشاهد جثث معتقلين، وأصبحت مادة أساسية في ملف الوثائق الدولية التي تطالب بمحاسبة القائمين على الاعتقال والمعاملة القاسية داخل السجون. هذه الوثائق عزّزت مطالب عائلات الضحايا بالعدالة وأعطت قضاياهم وزنًا دوليًا، لكن تحويل هذا الضغط الدولي إلى محاكمات فعلية واجه عقبات قانونية وسياسية كبيرة.

مع مرور السنوات نشأت مبادرات محلية تهدف إلى توثيق الأسماء والقصص وحفظ الذاكرة، بعضها بقي ضمن شبكات المجتمع المدني داخل المحافظة وبعضها تبلور في ريف حماة وخارجها. أبو عمران، الذي فقد شقيقه في 2012، شارك في أحد هذه التجمعات المحلية التي جمعت عشرات العائلات، وكان من واضعي قوائم بأسماء المفقودين لتقديمها إلى جهات تحقيق دولية ومحامين معنيين. إلا أن أبو عمران نفسه يعبر عن قلق متزايد: “نريد الحقيقة، لكننا لا نريد أن تتحول مطالبنا إلى حربة سياسية تُوظف لإشعال الفتنة بين الناس.” قصص مثل هذه تبرز التوتر بين حقّ العائلة في الحقيقة والخوف من تداعيات اجتماعية أو أُطر سياسية قد تستغل القضية. (على أرض الواقع، تُظهر السجلات ارتفاع حالات الاختفاء والاعتقال المتعمد منذ 2011، وفق توثيق جهات حقوقية).

المخاوف من الفوضى ليست افتراضية فحسب؛ كثير من وجهاء الأحياء ومسؤولي المجتمع المحلي يطرحون سيناريوهات تقول إن الدعوات العفوية والمظاهرات غير المنظمة قد تؤدي إلى اشتباكات، خصوصًا في أحياء ذات تاريخ انقسامي أو حضور عناصر مسلحة سابقًا. من هنا تظهر دعوات إلى آليات انتقالية توازن بين كشف الحقيقة وحماية السلم الأهلي: لجان محلية مستقلة، قواعد واضحة لجمع الأدلة، وإطار يضم ممثلين عن العائلات والمجتمع المدني وقضاة مستقلين وخبراء دوليين لتقليل مخاطر الاستغلال السياسي. هذا التوجّه ينسجم مع الأصوات التي تدعو إلى “عدالة انتقالية” مُهيكلة بدل الاضطراب الشعبي العشوائي.

على مستوى المجتمع المدني، عملت منظمات سورية ودولية على دعم جهود التوثيق وتقديم المشورة القانونية للعائلات، كما ساعدت في تجميع دليلية يمكن استخدامها في محاكمات مستقبلية أو في آليات تحقيقيّة دولية. لكن التحدي الأكبر ظل في تحويل هذه الوثائق إلى مساءلة فعلية داخل محاكم أو آليات قضائية قابلة للتنفيذ خلال الفترة 2011–2024، لا سيما في ظل الحواجز السياسية واللوائح الدولية المعقدة. تقارير آليات التحقيق الدولية وأجهزة التوثيق العامة أشارت مرارًا إلى صعوبات تثبيت المسؤولية الجنائية على مستويات عليا رغم تكدس الأدلة.

بين مطالب العدالة والمخاوف من الفوضى تظهر مبادرات شبابية وأُسر فقدت أحبّاءها تسعى لصياغة خطاب وسط: تطالب بالحق في الحقيقة والاعتذار والتعويض مع برامج للإصلاح المجتمعي تضمن عدم تحول الملف إلى ساحة صراع. ريم، ناشطة شابة، تشير إلى أن “العدالة ليست انتقامًا بل أساس للمصالحة المشروطة” وتدعو إلى سردٍ شفاف ولقاءات مجتمعية مُنظَّمة تُسهِم في تهيئة أرضية للتحقيقات الرسمية دون أن تُشعل احتقانًا جديدًا.

خلاصة المشهد حتى عام 2024 أن مطالب عائلات ضحايا نظام الأسد في حماة بالتحقيق والمحاسبة تحظى بأرضية قانونية ووثائقية متزايدة، لكن تنفيذ العدالة الفعلية اصطدم بعقبات سياسية وقضائية ومخاوف مجتمعية من تداعيات قد تزعزع الأمن المحلي. العائلات تتطلع إلى آليات متوازنة تقدم الحقيقة وتُحترم كرامة الضحايا، في حين يوصي الفاعلون الحقوقيون والسياسيون بصياغة مسارات تحفظ السلم الأهلي وتؤمن مساءلة حقيقية قابلة للتطبيق. تحقيق هذا التوازن يظل مسؤولية مشتركة بين المجتمع المدني والجهات القضائية الدولية والمحلية، وإذا فشل المجتمع في إيجاد إطار منظم فستبقى مطالب العائلات جرحًا مفتوحًا يحمل في طياته احتمالين: إما تحقيق عدالة تحفظ الذاكرة وترد الكرامة، أو تراكم سخط يهدد الاستقرار.

- Advertisement -

- Advertisement -