لكل السوريين

دمشق: سوق السيارات.. أحلام راكنة وأسعار متحركة

دمشق/ مرجانة إسماعيل

يقف السوريون اليوم أمام واقع جديد في سوق السيارات، في شوارع دمشق التي تتنفس تاريخاً وحداثة، حيث تتداخل أحلام الماضي مع حقائق الحاضر. ففي شارع فخري البارودي، يمكنك أن ترى عمر الشاب الثلاثيني يتأمل واجهة إحدى صالات العرض، متحدثاً عن سيارة كيا ريو التي كانت حلماً بعيد المنال في الماضي، وأصبحت اليوم في متناول يده بعد عامين من العمل في الخارج. هذه الصورة تعكس التحول الكبير الذي يشهده سوق السيارات في العاصمة السورية.

لقد شهدت أسعار السيارات انخفاضاً ملحوظاً وصل إلى 75% مقارنة بما كانت عليه في السنوات الماضية. فسيارة الشانجان الجديدة التي كان سعرها يقارب 30 ألف دولار أصبحت اليوم بـ 8000 دولار فقط، والكثير من الموديلات الأخرى شهدت انخفاضاً مشابهاً. هذا التحول جاء نتيجة لقرارات جديدة تتعلق بالجمارك ورسوم الرفاهية، حيث أصبح رسم الجمارك للسيارات يتراوح بين 1500 و2500 دولار حسب سنة الصنع، بعد أن كان يصل إلى ثلاثة أضعاف هذا المبلغ سابقاً.

لكن هذه التغيرات الإيجابية في الأسعار لم تكن كافية لتحريك السوق بشكل كامل. فالتجار يعانون من جمود في المبيعات، كما يوضح معتز الحلبي، صاحب وكالة سيارات في منطقة المزة: “انخفاض الأسعار لم يرافقه تحسن مماثل في القوة الشرائية للمواطنين”. ويضيف أن “الكثير من التجار تعرضوا لخسائر كبيرة بعد انخفاض الأسعار، خاصة أولئك الذين اشتروا سيارات بأسعار مرتفعة في السابق”.

من جهة أخرى، يشير المهندس خالد مرشد، مستورد سيارات من الصين، إلى تنوع الخيارات المتاحة الآن في السوق: “دخلت إلى السوق أنواع جديدة من السيارات الصينية والكورية بمواصفات جيدة وأسعار معقولة”. هذا التنوع أتاح للمواطنين خيارات أوسع، لكنه أيضاً زاد من حدة المنافسة بين التجار.

في الأحياء الشعبية، يمكنك أن تلمس تأثير هذه التغيرات على حياة الناس. تقول أم علي من حي القابون: “اشتريت لابني سيارة مستعملة بـ 3500 دولار، وهو مبلغ كان مستحيلاً في السابق”. لكنها تضيف أن “الكثير من الجيران يترددون في الشراء خوفاً من التطورات الاقتصادية المقبلة”.

هذا التردد يفسره الاقتصادي الدكتور معن ناصر بالقول: “المواطن السوري اليوم يوضع بين خيارين صعبين: الاستفادة من انخفاض الأسعار، أو التريث خوفاً من عدم استقرار الوضع المعيشي”. ويضيف أن “سوق السيارات أصبح مؤشراً حقيقياً على الحالة الاقتصادية العامة، حيث يعكس ثقة المواطن بالوضع القائم”.

أما أبو محمد، سائق تكسي في دمشق، فيروي قصة مختلفة: “كنت أعمل في الخليج لمدة 12 سنة ولم أستطع جمع ثمن سيارة لائقة. أما اليوم، فقد اشتريت سيارة لابني بمبلغ 6000 دولار بعد عامين من العمل في ألمانيا”. هذه القصة تظهر كيف أصبح الحلم الذي كان مستحيلاً في الماضي قابلاً للتحقيق اليوم.

رغم كل هذه التغيرات، يبقى المستقبل الاقتصادي هو العامل الحاسم في تحديد اتجاهات السوق. فالقرارات الجديدة المتعلقة بمنع استيراد السيارات المستعملة ساهمت في رفع الأسعار بنسبة 10-20% مؤخراً، لكنها لم تحل مشكلة جمود السوق. كما أن انعدام السيولة لدى المواطنين وخوفهم من التغيرات السياسية والاقتصادية المقبلة يجعلهم حذرين في الإنفاق.

تبقى دمشق شاهدة على تحول كبير في سوق السيارات، من سوق احتكارية مغلقة إلى سوق أكثر انفتاحاً وتنوعاً، لكنها تنتظر أن يرافق هذا الانفتاح تحسن في الوضع المعيشي للمواطن، وإلا ستظل السيارات المتاحة بأسعار معقولة حلماً يراود الكثيرين دون أن يتحقق.

- Advertisement -

- Advertisement -