تقرير/ اـ ن
تشهد محافظتا طرطوس واللاذقية أزمة دوائية غير مسبوقة تهدد صحة الآلاف من المواطنين، بعد تفاقم فقدان العديد من أصناف الأدوية، خاصة تلك المخصصة للأمراض المزمنة والخطرة. ويصف مراقبون هذه الأزمة بأنها نتيجة مباشرة لـ”التخلي الرسمي عن سياسة الدعم الدوائي”، في ظل عجز واضح عن تأمين الأدوية الأساسية للمصابين بأمراض مثل السرطان والتصلب اللويحي، إضافة إلى حرمان عدد كبير من المتقاعدين من صرف وصفتهم الدوائية الشهرية رغم حاجتهم الماسة إلى العلاج.
أدوية مفقودة وأعذار متكررة
تؤكد مصادر طبية وحقوقية أن أدوية السرطان مفقودة منذ أشهر طويلة، فيما توقفت مشافي الدولة عن توزيع أدوية التصلب اللويحي، ما أدى إلى تدهور الحالة الصحية لمئات المرضى الذين كانوا يتلقون العلاج مجاناً وبشكل منتظم.
يقول الدكتور سامي العابد، اختصاصي أمراض عصبية في اللاذقية:
> “يرزح مرضى التصلب اللويحي تحت معاناة شديدة بسبب غياب الأدوية الضرورية للسيطرة على المرض، والتي كانت تقدمها المشافي الحكومية بشكل دوري. منذ عدة أشهر توقف هذا الدعم، فترك المرضى لمصير مجهول، يصارعون الأعراض دون علاج، ما يزيد من احتمالية تطور المرض أو فقدان الحركة”.
وأشار العابد إلى أن أكثر من 1500 مريض مسجلين رسمياً في المحافظة يعيشون “في انتظار مفتوح على التعب والعجز”، لكون المرض يهاجم الجهاز العصبي ويضعف الألياف العصبية مع مرور الوقت وغياب الدواء الذي يخفف من نوبات الهجوم المتكررة.
معاناة تتفاقم وبدائل خطرة
يصف أطباء ومواطنون ما يجري بأنه ليس مجرد خلل إداري، بل كارثة إنسانية وصحية، إذ يضطر كثير من المرضى إلى شراء أدوية مهربة بأسعار خيالية تتراوح بين 400 و600 دولار للحقنة الواحدة، وهي غالباً غير مضمونة المصدر، مما يعرضهم لخطر الأدوية المغشوشة. ويحتاج بعض المرضى إلى جرعات أسبوعية، ما يجعل العلاج مستحيلاً اقتصادياً في ظل الظروف المعيشية الصعبة.
ويحذر الأطباء من أن الانقطاع المتواصل للأدوية يؤدي إلى تدهور صحي لا رجعة فيه، خاصة في غياب أي برامج دعم أو حلول بديلة، لتتحول الأزمة إلى ما يشبه القتل البطيء للمرضى، بين انقطاع العلاج أو استبداله بأدوية أقل فعالية ومجهولة التركيب.
المتقاعدون… ضحايا الإهمال الصحي
الأزمة لا تقف عند المرضى المزمنين فقط، إذ تطال المتقاعدين الذين فقدوا حقهم في صرف الوصفات الدوائية الشهرية، بعدما كانت المشافي الحكومية تقدمها مجاناً. وتعاني الغالبية منهم من أمراض القلب والضغط والسكري، حيث تصل فاتورة الأدوية الشهرية إلى مئات الآلاف من الليرات، وهو مبلغ يفوق نصف رواتبهم التقاعدية التي بالكاد تكفي لتأمين الغذاء اليومي.
ويصف أحد المتقاعدين الوضع بالقول “نحن نعيش على أدوية الضغط والسكري، لكن بعد توقف الصرف المجاني لم يعد بإمكاننا تحمل الكلفة. الراتب لا يغطي الدواء، ولا يوجد ضمان صحي، ولا من يسمعنا”.
تبريرات رسمية متكررة بلا حلول
تواصل وزارة الصحة تكرار مبرراتها التقليدية من عقوبات اقتصادية وتعثر في الاستيراد وتأخر المناقصات، بينما تغيب الخطط الإسعافية والبدائل المدعومة. ويرى مراقبون أن ما يجري يعكس انهيار منظومة الرعاية الصحية العامة، وغياب الإرادة الحقيقية لإيجاد حلول عاجلة، إذ لم يفعّل حتى الآن قانون الضمان الصحي الذي نوقش منذ سنوات ولم يُقرّ بعد.
دواء مفقود… وضمان غائب
في ظل هذا الواقع، يعيش المرضى والمتقاعدون حالة يأس متصاعدة، بين فقدان الدواء وغياب الدعم. فالمريض لا يعيش على الاعتذار، والمتقاعد لا يقتات من الوعود المؤجلة، فيما تتواصل الأزمة بصمت يهدد حياة الآلاف من السوريين في الساحل، ويجعل الدواء ترفاً لا يقدر عليه إلا القادرون، في مشهد يعكس انهياراً إنسانياً وصحياً خطيراً يحتاج إلى تدخل عاجل قبل فوات الأوان.