حمص/ بسام الحمد
أيلول في حمص لم يعد كما عهدناه. رياح الخريف التي كانت تأتي محملة بعبق الباذنجان المشقوق ورائحة الجوز المعصور وزيت الزيتون، باتت اليوم تحمل غبار الذكريات وهمسات الحنين. “المكدوس”، ذلك الطقس الاجتماعي والغذائي الذي كان يمثل لحمة العائلة وفرحة الموسم، يجري اختزاله عام 2025 إلى “علبة فاخرة” على رفوف السوبر ماركت، أو إلى محاولات متعثرة داخل البيوت لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تراث آخذ في التلاشي تحت وطأة أسعار لم يعد بوسع معظم الأسر الحمصية مجاراتها.
في حي بابا عمرو، تجلس الحاجة “وفاء” (67 عامًا) في فناء منزلها المتصدع جزئيًا بسبب الحرب، تنظر إلى شجرتين صغيرتين من الزيتون في زاوية الحديقة. تقول بلهجة تحمل ألمًا: “كنت أستقبل أيلول مثل العيد. كان البيت يتحول إلى معمل صغير. بناتي، جاراتي، وأحفادي.. الجميع كان له دور. النساء ينظفن الباذنجان الصغير “الحمصي” الممتلئ، والرجال يكبسون الجوز، والأطفال يلهون بقشر الفليفلة. كانت رائحة الباذنجان المسلوق على النار تملأ الحي كله. اليوم، صمت. الغاز أصبح كالذهب، وكيلو الجوز يساوي راتب موظف. المكدوس صار يحكى عنه، لا يُصنع”.
قصة الحاجة وفاء ليست فردية. في حي الوعر، تحاول “سلمى” (35 عامًا)، وهي أم لثلاثة أطفال، الحفاظ على جزء من التقاليد بطريقتها الخاصة. بدلًا من صنع عشرات الكيلوغرامات كما كانت تفعل والدتها، اقتصرت هذا العام على كيلوين فقط. تقول سلمى: “هذه ليست ‘مونة’ بالمعنى الحقيقي. إنها مجرد محاولة لألا أنسى الطعم، ولأعلّم أطفالي أن هذا كان جزءًا من هويتنا. اشتريت أقل كمية من الباذنجان، واستبدلت جزءًا من الجوز بالفستق الحلبي الأرخص نسبيًا، وحتى زيت الزيتون خلطته بزيت نباتي. النتيجة ليست كالسابق، لكنها تذكير بما كان”.
جولة في سوق الخضار المركزي بحمص تكشف حجم المفارقة. بائع الخضار “أبو علي” يقف أمام صناديق الباذنجان “الحمصي” الصغير، الشهير بنعومته وملاءته لحشو المكدوس. يقول وهو يشير بيده: “سعر الكيلو بين 3500 و4500 ليرة. الناس تتفرج أكثر مما تشتري. قبل عشر سنوات، كان الناس يشترون بالصندوق. اليوم، يشترون بالكيلو أو حتى نصف كيلو”.
أما محلات بيع “القزحة” (الجوز)، فتشهد هي الأخرى حالة من الجمود. يتراوح سعر كيلو الجوز المحلي بين 80 و130 ألف ليرة سورية، حسب الجودة. يقول تاجر جوز: “الجوز أصبح سلعة ترفيه. من يشتري كمية كبيرة للمكدوس إما يكون من أصحاب الدخل الجيد جدًا، أو يصنعه لغرض بيعه وتسويقه كمنتج تجاري”.
التكلفة الإجمالية أصبحت كابوسًا. إنتاج 20 كيلوغرامًا من المكدوس، وهي كمية متواضعة لعائلة ممتدة، قد تتجاوز تكلفتها 600 ألف ليرة سورية، مع ارتفاع أسعار الزيت والبهارات، ناهيك عن تكلفة الغاز للسلق الذي أصبح العائق الأكبر.
هنا تكمن القصة الأكثر إيلامًا. “أسطوانة الغاز” التي كانت سلعة أساسية بثمن زهيد، تحولت إلى عقبة كؤود تحرم الأسر من أبسط الطقوس. بسعر تجاوز 150 ألف ليرة للأسطوانة الواحدة، لم يعد “سلق” الباذنجان عملية طبيعية، بل أصبح قرارًا اقتصاديًا مصيريًا.
“ماهر”، شاب في العقد الثالث من عمره، يحكي كيف اضطرت عائلته للعودة إلى الماضي: “لم نعد نستطيع توفير ثمن أسطوانة غاز إضافية لسلق الباذنجان. الحل كان في العودة إلى ‘التنور’ أو ‘الكانون’ الذي نستخدمه للتدفئة في الشتاء. جمعنا بعض الحطب وقمنا بعملية السلق في الهواء الطلق. كانت عملية شاقة ومحبطة، أشبه باستحضار زمن لم نعد نعيشه. الفكرة لم تكن لتخطر ببالنا لولا اليأس”.
في مقابل معاناة الأسر، نشأ واقع موازٍ. لقد انتقل المكدوس بشكل كامل من كونه طقسًا منزليًا إلى منتج تجاري بامتياز. معامل صغيرة ومتوسطة في حمص وريفها راحت تنتج “مكدوس حمص” جاهزًا، معتمدين على الشراء بكميات كبيرة مما يخفف التكلفة قليلًا، لكن السعر النهائي يبقى مرتفعًا.
“معلبات المكدوس” الجاهز تباع في الأسواق المحلية بسعر يصل إلى 70-80 ألف ليرة للعلبة الواحدة، ما جعلها سلعة “هادفة” للهدايا أو للاستهلاك في المناسبات فقط. الأكثر لفتًا للانتباه هو تحول المكدوس إلى سلعة تصديرية. عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومتاجر “السوق السوداء” للتحويلات، يتم تصدير المكدوس الحمصي إلى المغتربين في أوروبا والخليج، حيث تباع العلبة الواحدة بما يعادل 10 إلى 15 دولارًا. أصبح المكدوس، بالنسبة للمغترب السوري، ليس مجرد طعام، بل قطعة من الوطن يصعب الحصول عليها، مما يضفي عليه هالة من الرفاهية والحنين.
رغم كل هذا، تبقى حمص مقاومة بذاكرتها. هناك محاولات فردية للتمسك بالطقس وليس فقط بالمنتج. جارات يتجمعن في بيت إحداهن، كلٍّ تحمل ما تيسر لها من مكونات، لصنع كمية صغيرة يتقاسمنها. آخرون يلتزمون بصنع “مكدوس الفقير” بكميات رمزية، حفاظًا على فكرة “المونة” وليس لغرض التخزين.
المكدوس في حمص عام 2025 لم يعد مجرد طبق. إنه مرآة لواقع اقتصادي قاسٍ، يحول التراث من ممارسة حية إلى ذكرى مؤلمة. إنه قصة تحوّل من “الوفرة المنزلية” إلى “الندرة التجارية”، من طقس يجمع العائلة إلى سلعة تفرقها الأسعار. في كل علبة مكدوس جاهز، هناك قصة بيت حمصي لم يعد قادرًا على إشعال النار، ليس لسلق الباذنجان فحسب، بل لإشعال دفء التقليد الذي كان يجمعهم.