لكل السوريين

الجامع العمري في درعا… ذاكرة مدينة وروح تاريخ يعيش في وجدان أهلها

درعا/ رجاء مختار

يقف الجامع العمري في قلب مدينة درعا القديمة، شامخاً منذ قرون كأحد أبرز الشواهد التاريخية والدينية في جنوب سوريا، جامعٌ لا يختزل فقط قيمة عمرانية مميزة، بل يشكّل محوراً ثقافياً وروحياً واجتماعياً لأهالي المدينة على مر العصور. ورغم ما مرّ عليه من تحولات تاريخية وأحداث عصيبة في السنوات الأخيرة، ما يزال الجامع يحتفظ بدوره الرمزي العميق، كأيقونة يرتبط بها أهل درعا ارتباطاً يتجاوز الطقوس الدينية ليصل إلى الذاكرة الجماعية والانتماء المكاني.

يعود تاريخ بناء الجامع العمري إلى القرن السابع الميلادي، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، الذي نسب إليه اسم الجامع. ومع أن البناء شهد إضافات وترميمات في فترات مختلفة، خصوصاً في العهدين الأيوبي والمملوكي، ظلّ الطابع المعماري العام محتفظاً بجذوره الإسلامية الأولى. سقوفه المقبّبة، مئذنته المربعة ذات الطراز المملوكي، والأقواس الحجرية المصقولة بعناية، تكوّن جميعها بنية معمارية تُظهر ملامح التاريخ الإسلامي المبكر في حوران، تلك المنطقة التي كانت على الدوام بوابة جنوبية تحمل إرثاً حضارياً متراكماً منذ العصور الرومانية والبيزنطية وحتى الإسلامية.

لم يكن الجامع العمري مجرد مكان للصلاة والعبادة، بل كان على مرّ العصور مركزاً للحياة العامة في درعا. في ساحاته نُظمت حلقات العلم، ومنها خرج العديد من العلماء والفقهاء الذين لعبوا دوراً مؤثراً في الحياة الاجتماعية للمنطقة. وفي باحاته كان الأهالي يتبادلون الأخبار، وتُعقد المجالس، وتتم المصالحات العشائرية التي تشتهر بها حوران. كما كان الجامع محطة للرحالة والزائرين والمسافرين الذين يأتون من دمشق أو من مدن جنوب سوريا، فيستدلون به كمعلم بارز وسط النسيج العمراني القديم.

ارتباط أهالي درعا بالجامع العمري لم يكن ارتباطاً دينياً فقط، بل كان يحمل طبقات متعددة من المعاني الثقافية. فقد شكّلت صلوات الجمعة فيه إحدى أهم اللحظات الاجتماعية التي تجمع سكان المدينة من أحيائها المختلفة، وتحوّلت المناسبات الدينية فيه إلى طقوس عامة تعزّز روح الانتماء لدى الأهالي. حتى الزخارف الحجرية القديمة التي تزيّن محرابه، والأحجار السوداء البازلتية التي عُرفت بها حوران، كانت بمثابة علامات بصرية يستدلّ بها أهل المدينة خارج حدود المكان، لأنها ترتبط في مخيلتهم بقصص الطفولة وزيارات العيد وخطب العلماء.

ومع بداية الثورة السورية في عام 2011، تحوّل الجامع العمري إلى محطة محورية في الذاكرة المعاصرة لدرعا. فقد كان أحد أول الأماكن التي شهدت تظاهرات واحتجاجات، وارتبط اسمه بفترة مفصلية في تاريخ سوريا الحديث. وهذا الواقع أضاف طبقة جديدة من الرمزية للجامع، إذ أصبح بالنسبة لأهالي المدينة ليس فقط معلماً تاريخياً بل شاهداً على تحولات سياسية واجتماعية عميقة. ورغم ما تعرّض له من أضرار خلال سنوات الصراع، ظلّ الجامع محور أحاديث الناس، ومركزاً للحنين، ورمزاً للصمود في ذاكرة الأهالي.

اليوم، ومع عودة الهدوء النسبي إلى أجزاء من المدينة، يبرز الجامع العمري كأحد أهم المواقع التي يطالب الأهالي بالحفاظ عليها وترميمها بما يليق بقيمتها التاريخية. فبالنسبة لكثيرين، لا يُعتبر ترميم الجامع مجرد إعادة إحياء لبناء أثري، بل هو خطوة نحو استعادة صورة المدينة القديمة والذاكرة التي فقدها كثيرون خلال سنوات النزاع. فكل حجر في جدرانه، وكل قوس في سقوفه، وكل زاوية في باحاته، تحمل قصة من قصص أجيال عاشت وتعلّمت وتعبّدت فيه.

كما يرى مؤرخون محليون أن الجامع العمري يمثل “المتحف المفتوح” لدرعا، فهو يجمع بين طبقات تاريخية متراكمة: من الطراز الإسلامي الأول الذي يذكّر ببدايات الفتح الإسلامي، إلى التعديلات التي أجراها المماليك، إلى الدور الاجتماعي المتجدد عبر أكثر من ألف عام. ويعتبر الأهالي أن الحفاظ عليه جزء من الحفاظ على هوية المدينة نفسها، فالجامع كان دائماً مركزاً ثقافياً قبل أن يكون دينياً، ومدرسة اجتماعية قبل أن يكون مكاناً للروحانيات فقط.

ومع أن تحديات كثيرة ما تزال قائمة فيما يتعلق بعمليات الصيانة والترميم وإعادة الحياة الطبيعية إلى مركز المدينة القديم، فإن ارتباط أهالي درعا بالجامع العمري لا يزال قوياً ومستمراً. فكل عائد إلى المدينة يحرص على زيارته، حتى ولو كان مدمراً أو مغلقاً، لأنه يحمل رمزية “بيت الجماعة” و”ذاكرة الحورانيين” و”وطن صغير داخل المدينة”. وفي المقاهي والمجالس والمناسبات، يتكرر ذكر الجامع العمري كجزء لا يتجزأ من تاريخ درعا، إذ يقف شاهداً على قرون من حياة الناس في هذه المنطقة الخصبة التي لعبت دوراً مهماً في تاريخ بلاد الشام.

وبين الماضي والحاضر، يظل الجامع العمري في درعا معلماً لا تنطفئ قيمته، ومرآة تعكس علاقة خاصة بين المكان وأهله. فهو ليس مجرد بناء أثري، بل هو قصة مدينة، وصوت تاريخ طويل، ورمز يجمع الناس رغم اختلاف الأزمنة. ومع كل خطوة نحو إعادة إحياء وسط المدينة، يأمل الأهالي أن يعود الجامع ليفتح أبوابه من جديد أمام المصلين والزوار والباحثين عن أثر من آثار الروح والتاريخ، كما كان عبر كل العصور.

- Advertisement -

- Advertisement -