الحسكة/ مجد محمد
في وقتٍ تتأرجح فيه سوريا بين أملٍ ضئيل بمستقبل أفضل وغضبٍ متصاعد بسبب سنوات من الصراع، تظهر في الأفق جهود جديدة تهدف إلى فتح ملف المحاسبة عن الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت خلال فترة حكم النظام السوري السابق، ما يثير تساؤلات واسعة حول مستقبل العدالة في البلاد، وحول ما إذا كانت هذه الإجراءات يمكن أن تشكل بداية حقيقية لمسار العدالة الانتقالية، أم أنها تظل محاولات جزئية لا تلامس جوهر القضية.
ويقول أثير الراغب، عضو الحزب الوطني الديمقراطي، إن تعريف العدالة الانتقالية في السياقات ما بعد النزاع يركّز على تحقيق العدالة والتعويض للضحايا، مع ضمان المحاسبة عن الجرائم والانتهاكات التي وقعت في سوريا.
ويضيف أن هذا المفهوم بدأ بالظهور بشكل تدريجي بعد ما يقارب عقداً من الصراع الذي أدى إلى مقتل مئات الآلاف وتهجير ملايين آخرين، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه الخطوات تعكس تحولاً حقيقياً في مسار العدالة أم أنها مجرد إجراءات تكتيكية لتخفيف الضغوط الدولية.
وفي الآونة الأخيرة، تعلن بعض الهيئات القضائية التابعة للحكومة الانتقالية في سوريا عن توقيف شخصيات سياسية وعسكرية متورطة في الانتهاكات التي وقعت خلال فترة حكم النظام، وتأتي هذه الخطوات في وقتٍ حساس تسعى خلاله بعض المناطق إلى تعزيز استقرارها الداخلي وبناء الثقة بين مكونات المجتمع التي تعرضت لانتهاكات جسيمة.
إلا أن تلك الإجراءات، وإن كانت تمثل خطوة مهمة في ملف المحاسبة، لا يمكن اعتبارها كافية، إذ يرى عضو الحزب الوطني الديمقراطي أنها ما زالت تفتقر إلى إطار قانوني متكامل يضمن تحقيق العدالة لجميع الضحايا من خلال محاكمات شفافة ومحاسبة كاملة، وهو ما يثير الجدل حول ما إذا كانت هذه الخطوات جزءاً من سياسة شاملة تهدف إلى محاربة الإفلات من العقاب أم أنها محاولات محدودة تستهدف بعض الأفراد فقط دون معالجة أعمق للمشكلة.
ويقول الراغب إن مناطق شمال وشرق سوريا تمثل نموذجاً فريداً في محاولات بناء الدولة في ظل غياب وحدة وطنية واضحة، إذ تمتاز بمساعٍ لإنشاء نظام قضائي خاص بها رغم التحديات الكبيرة.
ويشير إلى أن الحديث عن العدالة الانتقالية بدأ يبرز في هذه المناطق كجزء من العملية السياسية لبناء الاستقرار الدائم، خاصة في ظل الانتهاكات التي تعرضت لها العديد من المكونات السكانية، مؤكداً أن العدالة الانتقالية، إذا ما نُفذت بشكل فعّال، يمكن أن تؤدي إلى إرساء السلام الداخلي عبر محاسبة مرتكبي الجرائم وإعادة تأهيل المجتمعات التي تضررت من الانتهاكات، لكنه يضيف أن غياب قانون موحد وغطاء دولي قوي يجعل هذه الجهود بحاجة إلى دعم أكبر من المجتمع الدولي كي تصبح أكثر تأثيراً.
ويشير الراغب إلى أن أحد أبرز التحديات التي تواجه العدالة الانتقالية في سوريا هو استمرار حالة الحرب والانقسامات العميقة بين الأطراف المختلفة، بالإضافة إلى الخوف من الانتقام والضغوط السياسية التي قد تعيق تنفيذ العدالة على أرض الواقع.
ويؤكد أن غياب العدالة المترسخة يثير مخاوف من أن تكون الإجراءات الحالية مجرد تكتيك سياسي يستهدف بعض الأطراف دون المساس بالنظام ككل، ما يعيق إمكانية محاسبة جميع المتورطين.
ويضيف أن التساؤل الأكبر الذي يطرح نفسه اليوم هو ما إذا كانت هناك استراتيجية شاملة لمكافحة الإفلات من العقاب، ففي وقتٍ تتزايد فيه الدعوات إلى المحاسبة، تبرز مخاوف حقيقية من أن تظل هذه المحاولات مقتصرة على إجراءات محدودة دون إطار قانوني يضمن العدالة لجميع الضحايا، ويوضح أن غياب القوانين المحلية والدولية الفاعلة، وعدم وجود محاكم متخصصة لملاحقة مرتكبي الجرائم، يجعل من الصعب تحقيق العدالة الانتقالية في سوريا بالشكل المنشود.
ويرى الراغب أن المخاوف من سياسة الإفلات من العقاب ما زالت قائمة، إذ لا توجد حتى الآن آليات واضحة لمحاكمة الشخصيات السياسية والعسكرية البارزة المتورطة في الانتهاكات، مشيراً إلى أن الخطوات التي تم اتخاذها حتى الآن لا يجب أن تقتصر على محاكمة الأفراد فحسب، بل ينبغي أن تشمل أيضاً برامج تهدف إلى تعزيز المصالحة المجتمعية، وإنشاء مؤسسات قضائية مستقلة تحقق العدالة وتعزز من سيادة القانون في المناطق المتضررة.
ويختتم الراغب حديثه بالقول إن السؤال الجوهري الذي يواجه السوريين اليوم هو ما إذا كانت البلاد قادرة على تحقيق العدالة الحقيقية التي تمكّنها من بناء مستقبل أفضل لجميع مكوناتها. فمحاسبة الانتهاكات والاعتراف بالضحايا تمثل خطوة أساسية على هذا الطريق، غير أن تحقيق العدالة الكاملة يتطلب استراتيجيات شاملة تدعمها القوانين الدولية والمحاكم المستقلة.
ويؤكد أن العدالة الانتقالية ليست مجرد محاكمة للأفراد المتورطين في الجرائم، بل هي عملية شاملة لإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوري، وتقديم التعويضات للضحايا، مشدداً على أن سوريا تحتاج إلى دعم دولي لتطوير إطار قانوني متكامل يضمن آليات فعالة للمحاسبة والمصالحة، وصولاً إلى مؤسسات قضائية مستقلة قادرة على تحقيق العدالة للجميع.