لكل السوريين

العمالة الموسمية تتوافد للتعبئة وفرص دخل مؤقتة تعين الأسر على المعيشة

الرقة/ حسن الشيخ

في كل خريف وفي موسم حصاد الذرة الصفراء في ريف الرقة الشمالي، تتحول الطرقات الإسفلتية الممتدة بين الحقول والقرى إلى مشاهد نابضة بالحياة والعمل.

أكوام الذرة المفروشة على جنبات الطريق تنتظر أشعة الشمس لتجفيفها، بينما تتوافد مجموعات من العمال والنساء يومياً للمشاركة في عمليات التعبئة والتحميل، في موسمٍ أصبح يشكل مصدر دخل مؤقت لعشرات الأسر الريفية.

الذرة المكدسة على الطرقات ليست مجرد محصول، بل “رزق ينتظر من يلتقطه ” كما يقول العامل أحمد المصطفى، ويضيف: “نأتي منذ الصباح الباكر، نساعد المزارعين في تعبئة الذرة الجافة داخل الأكياس، ونحصل على أجرة يومية بسيطة لكنها تسدّ الرمق في هذه الأيام الصعبة”.

المشهد يتكرر على طول الطرق الزراعية في المنطقة، حيث تعمل مجموعات من الرجال والنساء بشكل يدوي في جمع وفرز الحبوب ونقلها إلى الأكياس الكبيرة التي تُربط بإحكام قبل تحميلها في الشاحنات. هذه العملية، رغم بساطتها، تتطلب جهداً كبيراً وتنسيقاً بين المزارعين والعمالة القادمة من مناطق مختلفة داخل الريف.

تقول إحدى العاملات عليا الحمود، إنها تأتي مع مجموعة من النساء كل موسم للعمل في تعبئة الذرة، مضيفةً: “العمل على الطريق صعب، الغبار والشمس مزعجان، لكن الأجرة اليومية تساعدنا في مصاريف البيت. أغلبنا نعمل أسبوعين أو ثلاثة فقط كل عام، لكنها فترة ننتظرها لأنها تمنحنا شيئاً من الأمل”.

وتضيف بابتسامة خفيفة: “صرنا نعرف مواسم الذرة من رائحتها المنتشرة على الطرق، فهي إعلان بأن وقت العمل حان”.

المزارعون من جهتهم يرون في هذه الطريقة التقليدية لتجفيف الذرة حلاً اضطرارياً لغياب المجففات الحديثة أو المراكز المجهزة لذلك.

ويقول المزارع محمد الخلف: “نفرش الذرة على الطرق الإسفلتية لأنها أسرع في التجفيف، والحرارة تساعدنا، ومع قلة الإمكانات ما في حل غير هيك. بس طبعاً هذا الشي يعرّض المحصول للغبار والسيارات، لكننا مجبرون”.

ويشير إلى أن تعبئة الذرة على الطرق تستقطب الكثير من الأيدي العاملة الموسمية من القرى المجاورة، ما يخلق حركة اقتصادية صغيرة في المنطقة، رغم أن الأجور تبقى محدودة جداً مقارنة بحجم الجهد المبذول.

العمال بدورهم يطالبون بوجود أماكن مخصصة للتجفيف والتعبئة تكون أكثر أماناً ونظافة، خصوصاً أن العمل على الطرقات يعرّضهم للأذى من مرور السيارات والغبار الكثيف.

يقول أحد الشباب العاملين علي السلمان: “لو كان في مجففات أو ساحات مخصصة للعمل كنا اشتغلنا بأمان وارتحنا، بس حالياً كل الشغل على الطرق والطرقات الفرعية”.

ورغم الشكاوى، يبقى موسم تعبئة الذرة الصفراء مناسبة ينتظرها كثيرون في الريف، فهي فرصة مؤقتة لتحسين الدخل في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل الأخرى.

وتعكس هذه الأنشطة الموسمية حيوية المجتمعات الريفية وقدرتها على التكيّف، لكن ذلك يتطلب تدخل الجهات الزراعية لتأمين مجففات ومراكز تعبئة منظمة تحافظ على جودة المحصول وتؤمن بيئة عمل أفضل.

مع غروب الشمس، تنتهي ساعات التعبئة الطويلة وتغادر الشاحنات المحملة بالأكياس الممتلئة نحو الأسواق.

يبقى الطريق مغطى ببقايا الذرة وأثر الأيدي التي عملت طوال النهار، شاهداً على يومٍ جديد من الكدّ والسعي وراء لقمة العيش.

- Advertisement -

- Advertisement -