درعا/ رجاء مختار
وقفت أم سامر أمام بيتها نصف المهدّم في قرية قرب درعا البلد، تمسح بيدها على حافة جدارٍ بلا نافذة وتقول بصوتٍ يكاد يختنق: “رجعنا بعد أشهر الغياب لنلاقي البيت مفتوح… السقف مقلوب والحديد ما عاد موجود، حتى الباب طلعوه”.
على بعد كيلومترات، يمرّ خالد بأطلال منزله ويتفحّص الأعمدة الخرسانية التي سحل منها حديد التسليح: “صار البيت مثل قشر بيضة، يمكن المطر يجيب ما تبقى منه”. هاتان شهادتان لمزارعين وعائلات عادت إلى منازلها في درعا فوجدت أن ما تركه القتال لم يكفِ؛ فقد أتى من تلاه ليأخذ ما تبقى من معدن وكابلات وحتى قطع البنية التحتية الكهربائية.
حوادث “التعفيش” وسرقة الكابلات والبحث عن حديد الأسطح باتت سمة متزايدة في محافظة درعا منذ مرحلة إعادة انتشار بعض الوحدات العسكرية وانسحاب أخرى خلال النصف الثاني من 2024 وما تلاه من تحولات أمنية في الجنوب.
تقارير محلية ورصد إعلامي أشارت إلى تكرار حالات سرقة كابلات الألياف الضوئية وخطوط الضغط العالي ما أدّى إلى انقطاع اتصالات وكهرباء عن أحياء وبلدات في درعا والسويداء، وفي بعض الحالات تحدثت مصادر عن محاولات لاستهداف خط توتر عالٍ.
الآلية الميدانية لهذه السرقات تتكرر: مجموعات أو أفراد يدخلون المنازل الفارغة أو شبه المهدومة ليخلعوا الأبواب، يقتلعوا شبابيك الألمنيوم، يقطعون كابلات الكهرباء والاتصالات، ثم يصعدون إلى الأسطح لكسر الخرسانة واستخراج حديد التسليح الذي يُحمّل على شاحنات أو على دراجات نارية ويُباع لتجار خردة في أسواق متصلة خارج المحافظة. ناشطون محليون وثّقوا أيضاً حالات تفكيك محولات كهربائية ونزع أجزاء من محطات توزيع صغيرة، ما خلق أزمة خدمة مستمرة في مناطق عدة.
أهالي متألمون يتحدثون عن طابع “منظم” لهذه العمليات؛ ليس مجرد لصوص عابرين بل شبكة تجارة خردة تستغل الانفلات الأمني. منشورات محلية وشهادات على مواقع التواصل تفيد بأن بعض مَن شاركوا في تلك العمليات كانوا من عناصر أمن سابقين أو منتسبين لميليشيات مرتبطة بالجيش الموالي للنظام، وقد استغلوا وصولهم إلى مواقع وآليات أو معلومات عن منازل مهجورة لتمكين عمليات السرقة وتهريبها.
في الوقت نفسه، صرّح ناشطون أن غياب رقابة فعالة وانتشار السلاح ساعدا على تيسير تلك الممارسات، فيما تظل الادّعاءات بحاجة إلى تحقيقات مستقلة وموثوقة.
النتيجة المادية فادحة: منازل تحولت إلى هياكل ضعيفة، مدارس ومرافق عامة جردت من نوافذها ومراوحها، وشبكات كهربائية وخطوط اتصال تعاني انقطاعات متكررة.
وحذر مهندس محلي من أن اقتلاع حديد التسليح من الأسقف والأعمدة يعرّض الأبنية لخطر انهيار جزئي أو كليّ مستقبلاً، ما يزيد من كلفة إعادة الإعمار ويضع عبئاً إضافياً على الأسر والمجالس المحلية. وفي سوق الخردة ارتفعت أسعار الحديد والكابلات بما يعزّز الدافع للنهب، خصوصاً حين تتوافر مشتريات من جهاتٍ بعيدة.
وأعلنت المجالس المحلية والأمن الداخلي في بعض المناطق عن ضبط مجموعات حاولت سرقة كابلات أو أجزاء من الشبكات، لكن قدرات الضبط محدودة أمام حجم الانفلات وحقيقة وجود عناصر فاعلة تستفيد من الوضع.
كما أن جهود التوثيق ما تزال موجّهة إلى توثيق حالات التعفيش ومطالبة الجهات المسؤولة بمتابعة مرتكبيها؛ ناشطون أطلقوا حملات توثيقية عبر شبكات محلية ودعوا منظمات حقوقية للتدخّل في رصد حركة تجارة المسروقات.
ومن جهةٍ رسمية محلية تُجابَه الادّعاءات بتصريحات متباينة حول حجم الاستهداف ودرجة التواطؤ، ما يعكس غياب معطيات رسمية موحّدة وشفافة حتى الآن.
وعلى الأرض، تحاول عائلات تأمين ما تيسّر من منازلها؛ البعض يضع غطاء بلاستيكي مؤقتاً على الأسطح، وآخرون يلجأون إلى إقامة أسقف خشبية بسيطة بانتظار إعادة إعمار حقيقية.
لكن ذلك يفاقم مشاكل الصحة والسلامة ويعرض السكان لمخاطر الطقس والبلاء. القرى التي شهدت هجرة سكانية واسعة أصبحت أهدافاً سهلة للمقتحمين، ما يبرر مطالب الأهالي بآليات حراسة محلية منسقة مع السلطات وإدخال قوّات حفظ نظام محلية مؤهلة لحماية الممتلكات وإيقاف تجارة الخردة المريبة.
القوانين المحلية والدولية تصفّنه نهباً للمدنيين وممتلكاتهم في أوقات النزاع، وقد تصل إلى مستوى جرائم ترتبط بخراب ممنهج استهدف البنية المدنية. وهو ما يضع قضية تعويضات إعادة الإعمار وملاحقة المتورطين في إطار حقوقي وقانوني أوسع يتطلب توثيقاً دقيقاً وشهوداً وآليات قضائية مستقلة، أمور لا تتوفر بسهولة في ظلّ التقلبات السياسية والأمنية في المنطقة.
تحوّل درعا في هذه المرحلة إلى مشهد مؤلم من البيوت التي فقدت أسقفها وملامحها، ليس فقط بفعل رصاص الحرب بل أيضاً بفعل من استغلّ الفراغ ليقتلع ما تبقى من معيشة الناس. “الشبيح لم يدعُ شيئاً” عبارة تُردّدها المدن والقرى جنوباً اليوم، لكنها دعوة أيضاً للجهات الفاعلة المحلية والدولية لتوفير حماية ملموسة للممتلكات، وفتح تحقيقات شفافة، والعمل على استعادة ما يمكن استرداده وإعادة بناء ما تهدّم، قبل أن تتحول هذه السرقات الصغيرة إلى كارثة إنسانية طويلة الأمد.