حماة/ جمانة الخالد
شهدت مناطق ريف حماة الغربي في الفترة الأخيرة حرائق واسعة التهبت فيها الغابات والبساتين، مخلفة دماراً كبيراً في الغطاء النباتي وخسائر اقتصادية ملحوظة، كما أبرزت محدودية الإمكانيات المتاحة لفرق الإطفاء في التصدي لهذه الكوارث. رجال الإطفاء، الذين يمكن وصفهم بالأبطال المجهولين، وجدوا أنفسهم أمام تحدٍ كبير في مواجهة نيران منتشرة على مساحات شاسعة، معتمدين على أدوات محدودة وسط طرق وعرة تعيق تحركهم وسرعة استجابتهم، في حين تهدد الحرائق بقاء الممتلكات والأرواح في القرى المتاخمة للمناطق الحراجية.
يقول رضا سليم، أحد عناصر فرق الإطفاء في المنطقة: “تعددت الجبهات، ما خلق ضغطاً هائلاً على الفرق وقلّص فرص السيطرة على الوضع”. وأضاف أن سرعة الرياح ساعدت على انتشار اللهب بسرعة، بينما كانت التضاريس الوعرة والمرتفعة تشكل عقبة كبيرة أمام وصول الآليات الثقيلة، ما أجبر الفرق على استخدام وسائل تقليدية أكثر خطورة، مثل التعامل مع النيران من مناطق منخفضة لتجنب كثافة الدخان.
مدير مركز الإطفاء في بلدة شطحة، هاني الكردي، أشار إلى أن عدد الكوادر العاملة غير كافٍ، وأن الحرائق امتدت لأيام متتالية دون فرصة للراحة، بينما غاب بعض الموظفين الخبراء عن الميدان بعد إنهاء عقودهم في بداية العام. وأوضح أن الخبراء السابقين، كان لهم دور بارز في عمليات الإطفاء الأخيرة، مستجيبون لاستدعاء الفرق دون أجر، ما يؤكد أهمية خبراتهم في التعامل مع الحرائق المعقدة والدخان الكثيف، بينما يحتاج العناصر الجدد إلى تدريب وتأهيل طويل قبل أن يصبحوا قادرين على مواجهة المخاطر الفعلية بشكل مستقل.
أحد أبرز التحديات التي تواجه فرق الإطفاء هي ضعف البنية التحتية، حيث الطرق الضيقة تعرقل حركة الآليات الثقيلة، ما يزيد من خطر التأخير في الوصول لمواقع الحريق. كما أضافت عناصر الإطفاء أن تجمع الأهالي حول مناطق الحرائق أحياناً يعيق عملهم، خصوصاً عندما يحاول كل شخص توجيه الفريق إلى موقع مختلف، ما يجعل تحديد الأولويات أكثر صعوبة ويعرض الجميع لمخاطر إضافية.
المهندسة البيئية ليلى الصالح أكدت أن الحرائق الأخيرة في ريف حماة الغربي أدت إلى احتراق آلاف الهكتارات من الغابات والمزروعات، مشددة على ضرورة إعادة التشجير باستخدام أنواع مناسبة تتحمل الظروف المناخية القاسية، مثل الصنوبر، الأرز، السماق، بالإضافة إلى أشجار الفاكهة كاللوز والتفاح والإجاص. وأوضحت أن إعادة التشجير يجب أن ترافقها دراسة دقيقة للطريق والمناطق المناسبة وزراعة أشجار مقاومة للحريق، وإنشاء خزانات مياه استراتيجية لتسهيل مكافحة الحرائق مستقبلاً.
وأضافت الصالح أن خطة إدارة الحرائق يجب أن تعتمد على استراتيجيات شاملة تشمل الوقاية، الاستعداد، الترميم، والتأهيل، مع إشراك المجتمع المحلي في حماية الغابات وتعزيز شعور الملكية لديهم، والاستفادة من خبراتهم المحلية في الحفاظ على البيئة الحراجية. وأكدت على أهمية تطوير البنية التحتية للطرق لتسهيل حركة آليات الإطفاء، وتوفير خزانات مياه وأجهزة حديثة، إلى جانب تدريب دوري للكوادر على أحدث أساليب مكافحة الحرائق.
وأكدت أن التعامل مع حرائق الغابات يجب أن يتحول إلى استراتيجية مستدامة تهدف إلى جعلها حوادث استثنائية وليست قاعدة، مع اعتماد الإدارة البيئية للغطاء النباتي كأساس لحماية الموارد الطبيعية. وأضافت أن العمل التشاركي بين فرق الإطفاء، الجهات الحكومية، والأهالي هو الطريق الأمثل لضمان بقاء الغابات السورية كمورد طبيعي واستراتيجي للأجيال القادمة، وحماية الممتلكات والأرواح من المخاطر المستمرة.
في نهاية المطاف، يبقى ريف حماة الغربي أمام تحديات كبيرة، حيث النار تهدد الغطاء النباتي والحياة اليومية، بينما الإمكانيات المتاحة لمكافحة الحرائق محدودة. ومن الضروري وضع خطط متكاملة للوقاية، التدريب، إعادة التشجير، وتحسين البنية التحتية، لضمان مواجهة أي حرائق مستقبلية بفعالية وحماية البيئة والمجتمع المحلي من آثار هذه الكوارث.