حماة/ جمانة الخالد
حيث تتوزع الحقول الخضراء بين البيوت الطينية في قرى ريف حماة ومصياف، تواجه زراعة التبغ اليوم أزمة حادة تهدد استمرارها. آلاف الأسر التي اعتادت على هذه الزراعة كمصدر دخل أساسي تجد نفسها أمام واقع اقتصادي صعب، وسط ارتفاع غير مسبوق في تكاليف الإنتاج، وسوق محلية تغمرها السجائر الرخيصة، ما يضع التبغ المحلي في مأزق اقتصادي حقيقي.
يوسف الكردي، مزارع من قرية الرملة بمصياف، يحكي عن خبرة طويلة في زراعة التبغ: “أزرع التبغ منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وكانت الأرض تكفينا وتسترنا. أما اليوم، فالأسمدة والمبيدات والوقود وصلت أسعارها إلى مستويات لا طاقة لنا بها، وأجرة الفلاحة أصبحت فوق قدرتنا. نبيع التبغ بسعر لا يغطي تكلفة الإنتاج، والسوق غارق بالمنتجات الرخيصة”، قصته تعكس الواقع اليومي للعديد من المزارعين في المنطقة الذين يتكبدون خسائر متتالية تهدد معيشتهم.
المهندس الزراعي نزار عبيد، المقيم في ريف حماة، يؤكد أن “المؤسسة العامة للتبغ لا تملك سياسة تسعير واضحة، ولا توفر أي ضمانات تحمي المزارعين. مستحقات موسم العام الماضي لم تُصرف بعد، وما زال محصول هذا الموسم ينتظر قرار الاستلام، دون أي توضيح، ما يعكس غياب خطة منهجية لاستمرار الزراعة”.
في قرية الشريعة بمصياف، يعيش الشاب طلال عبد الله، مزارع في الثلاثين من عمره، تجربة مشابهة. يقول: “زراعة التبغ كانت حياة كاملة لنا، نشارك في العمل جميع أفراد الأسرة، من الأطفال إلى الكبار. اليوم، لم تعد المحاصيل تكفي حتى لسد حاجاتنا الأساسية، والتعويضات عند الكوارث الزراعية ضئيلة جداً”.
حياة المزارعين اليومية تتأثر أيضاً بالتأخر في استلام المحصول. هاني شفيق، مزارع من ريف حماة، يشدد على ضرورة وضع تسعيرة عادلة وصرف المستحقات المتأخرة، موضحاً: “ننتظر استلام محصول هذا الموسم لمعرفة إن كانت الجهات المعنية ترغب في استمرارنا بزراعة التبغ أم هناك خطة بديلة لزراعات أخرى”.
من الجانب الرسمي، أوضح مدير زراعة حماة عارف قاسم، أن المساحة المخططة لمحصول التبغ لموسم 2024–2025 تبلغ 2500 هكتار بعل و300 هكتار سقي، وهي خطة مستمرة تصدر عن وزارة الزراعة، مؤكداً أن الدعم المباشر للمزارعين لم يصل منذ سنوات، وكان سابقاً يُقدّم عبر وزارة الصناعة، من خلال توفير البذور والمبيدات مجاناً واستلام المحصول بالكامل بعد تسليمه.
أما رئيس اتحاد فلاحي حماة، المهندس طه شعلان، فشدد على أن تأخر استلام المحصول يعود لأسباب فنية ولوجستية، مثل عمليات الفحص والتصنيف والتخزين لدى المؤسسة العامة للتبغ، مع ضرورة تنسيق الجهود بين الفروع لتسريع الاستلام وتوفير لجان إضافية للفرز، وتسهيل صرف المستحقات تدريجياً قبل نهاية العام، مع إعطاء الأولوية للمزارعين الذين سلموا محصولهم أولاً.
التحديات التي يواجهها المزارعون تشمل أيضاً ارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية. شعلان كشف أن الاتحاد رفع مقترحات للجهات المعنية لتخفيف العبء، من بينها دعم جزئي لأسعار الأسمدة والمبيدات والمازوت، وتسهيل منح القروض الزراعية قصيرة الأجل بأسعار فائدة منخفضة، ومتابعة استقرار أسعار المدخلات عبر الجهات التموينية.
من ناحيته، أكد شعلان ضرورة وضع آلية تسعير شفافة للمحصول، تأخذ بعين الاعتبار تكاليف الإنتاج وهامش ربح مجزي للمزارع، لتجنب الخسارة المباشرة، خصوصاً مع التذبذب المستمر في أسعار السوق العالمي للتبغ الخام والوضع المالي العام للمؤسسة. كما شدد على ضرورة زيادة مخصصات صندوق الكوارث الزراعية، ومراجعة أسس تقدير التعويضات، وإشراك ممثلين عن الفلاحين في لجان تقييم الضرر لضمان العدالة والشفافية.
في قرية المروة بريف مصياف، تواجه عائلة الحاج علي، تجربة يومية تعكس صعوبة استمرار الزراعة: “نزرع التبغ منذ أجيال، لكنه اليوم لم يعد يغطي الاحتياجات الأساسية. حتى ابني الصغير بات يساعد في الحصاد لأن العمل مزدوج”، تقول الأم سلوى الحاج علي، مضيفة أن الحلول الحكومية المحدودة لا تكفي، ما يضع مستقبل الزراعة التقليدية في خطر.
رغم هذه الصعوبات، يبقى المزارعون مصرين على استمرار زراعة التبغ، معتبرين أنها ليست مجرد محصول اقتصادي، بل إرث أجداد ومصدر رزق أساسي لأجيالهم. ويأملون أن تؤدي الجهود الحكومية والمؤسسية إلى وضع حد لتدهور القطاع، من خلال آليات تسعير عادلة، دعم مباشر للمدخلات الزراعية، وصرف المستحقات بانتظام، لضمان استمرارية هذه الزراعة الحيوية.