لكل السوريين

سوريا بين التنسيق الأمني والفراغ السياسي.. حكومة انتقالية مرتبكة وبلاد تتحول إلى ساحة صراع جديد

لا يبدو أن الاجتماع الذي انعقد أخيرًا في باريس بين ممثلين عن الحكومة السورية الانتقالية وإسرائيل، برعاية أميركية، يشكّل اختراقًا سياسيًا حقيقيًا في مسار العلاقة بين الطرفين، بقدر ما يعكس إدارة مؤقتة للأزمة وتطويقًا للتوترات القائمة. فالبيان الثلاثي الذي صدر عقب اللقاء، وإن ركّز على إنشاء آلية تنسيق مشتركة لتبادل المعلومات بإشراف الولايات المتحدة، إلا أنه تجنّب بشكل واضح الخوض في أي مسار سياسي شامل أو الحديث عن تسوية مستدامة، مكتفيًا بمعالجة أعراض الصراع لا جذوره.

هذا الغياب للأفق السياسي لا يمكن فصله عن مشهد إقليمي مأزوم، ولا عن واقع داخلي سوري يتّسم بالهشاشة والارتباك، ولا عن تحوّل سوريا مجددًا إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، ولكن هذه المرة بين قوى إقليمية مختلفة، على رأسها تركيا وإسرائيل، بعد أربعة عقود كانت فيها البلاد مسرحًا غير مباشر للصراع الإيراني – الإسرائيلي.

إسرائيل: أمن بلا سياسة

المشكلة الأولى في العلاقة السورية – الإسرائيلية تكمن في غياب أي مشروع سياسي إسرائيلي متكامل تجاه المنطقة عمومًا وسوريا خصوصًا. فمنذ عملية «طوفان الأقصى»، بات هاجس الأمن هو المحرّك الوحيد للسياسات الإسرائيلية، على حساب أي رؤية استراتيجية طويلة المدى. لا تفكير في حلول سياسية، ولا في تسويات، ولا في إعادة ترتيب إقليمي قائم على التفاهمات، بل تركيز شبه حصري على فكرة «المناطق العازلة»، سواء في غزة، أو جنوب لبنان، أو جنوب سوريا.

تندرج هذه المقاربة ضمن عقلية إدارة الصراع لا حله، وهي عقلية لا تقتصر آثارها على الجبهة السورية، بل تمتد إلى الضفة الغربية، حيث تسعى إسرائيل بشكل ممنهج إلى تفريغ الأرض من سكانها، بهدف قطع الطريق نهائيًا على أي احتمال لقيام دولة فلسطينية مستقبلًا. وفي هذا السياق، تصبح سوريا مجرد حلقة إضافية في سلسلة إجراءات أمنية إسرائيلية، لا شريكًا في عملية سياسية متوازنة.

المعضلة السورية: حكم بلا أدوات

في المقابل، لا تبدو الحكومة السورية الانتقالية قادرة حتى الآن على تقديم نفسها كطرف متماسك، قادر على ضبط الداخل، أو إدارة التنوع الاجتماعي والسياسي الذي يتسم به المجتمع السوري. فبعد انهيار النظام الأسدي، برز فراغ مؤسساتي واضح، لم تتمكن السلطة الجديدة من ملئه بكوادر مؤهلة أو آليات حكم رشيدة.

لا تزال العلاقة مع مكونات أساسية من المجتمع السوري مأزومة: الدروز في السويداء، العلويون، الأكراد، وحتى قطاعات واسعة من سنّة المدن الكبرى الذين يعيشون هاجس اختلال التوازن بين المدينة والريف، وما يحمله ذلك من صدام ثقافي وقيمي. وإلى جانب ذلك، تعاني المؤسسات الحكومية من ضعف بنيوي، حيث لا تزال تخضع، بشكل مباشر أو غير مباشر، لنفوذ مجموعات محسوبة على «هيئة تحرير الشام» أو تشكيلات قريبة منها، تمارس نوعًا من الوصاية على وزارات وهيئات سيادية، ما يقوّض فكرة الدولة الحديثة.

الإخوان المسلمون ووزارة الخارجية

في ظل هذا الفراغ، وجدت جماعة الإخوان المسلمين فرصة للتغلغل داخل مفاصل الدولة، ولا سيما وزارة الخارجية، التي شهدت ما يشبه «غزوًا إخوانيًا» منظمًا. تم ذلك بالتوازي مع إقصاء أو تهميش عدد كبير من الدبلوماسيين المهنيين الذين انشقوا عن النظام السابق، من دون إعادة اعتبار حقيقية لهم، رغم خبرتهم وقدرتهم على تمثيل سوريا في مرحلة دقيقة تتطلب أعلى درجات الاحتراف الدبلوماسي.

هذا الواقع يعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الحكم الانتقالي نفسه: هل هو مشروع عبور نحو دولة جامعة، أم مجرد إعادة إنتاج لنظام إقصائي ولكن بوجوه وشعارات مختلفة؟

سوريا… من ساحة إيرانية – إسرائيلية إلى ساحة تركية – إسرائيلية

الخطر الأكبر الذي يواجه سوريا اليوم يتمثل في تحوّلها إلى ساحة صراع مفتوح بين تركيا وإسرائيل. ففي السابق، كانت البلاد مسرحًا لتصفية الحسابات بين إسرائيل وإيران، ضمن قواعد اشتباك غير معلنة، ضمنت عدم الانزلاق إلى مواجهة شاملة. اليوم، يتكرّر المشهد ولكن بأطراف مختلفة، ومع درجة أعلى من التعقيد.

تلعب «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) دورًا محوريًا في هذا السياق، ليس فقط بوصفها قوة عسكرية محلية، بل باعتبارها ورقة إقليمية ودولية تُستخدم ضمن حسابات أكبر من الجغرافيا السورية.

إسرائيل و«قسد»: تقاطع مصالح لا تحالف

في المقابل، ترى إسرائيل في هذا التحرك فرصة مزدوجة. فمن جهة، يسمح لها التنسيق غير المعلن مع «قسد» بإحراج تركيا، التي باتت الخصم الإقليمي الأبرز لها في سوريا. ومن جهة أخرى، يتيح لها استخدام الورقة الكردية للضغط على أنقرة ودفعها نحو خيارات تصعيدية قد تؤدي إلى تدويل الصراع.

لا يُستبعد، في هذا الإطار، أن تلجأ إسرائيل إلى سيناريوهات مألوفة، كتلك التي شهدتها أحداث السويداء، حين قصفت دمشق واستهدفت وزارة الدفاع. مثل هذه الضربات قد تتكرر إذا مالت كفة المواجهة لصالح الجيش السوري، أو إذا قررت تركيا التدخل العسكري المباشر إلى جانبه، خصوصًا في الشمال السوري.

حكومة انتقالية بين الخارج والداخل

على الرغم من النجاحات الخارجية التي حققها أحمد الشرع، وما رافقها من دعم أميركي وغربي واضح، يبقى التحدي الحقيقي داخليًا. فالمطلوب ليس فقط إدارة علاقات إقليمية معقّدة، بل بناء عقد اجتماعي جديد ينقل سوريا من نظام أقلّوي استبدادي إلى دولة مواطنة لا تميّز بين طائفة وأخرى، ولا بين منطقة وأخرى.

لن يتحقق ذلك من دون الاستعانة بأفضل الكفاءات السورية في الداخل والخارج، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة ومؤسساتها، تفاديًا لإعادة إنتاج نظام يشبه نظام الأسد، ولكن بلباس جديد وخطاب مختلف.

أفق مغلق أم فرصة أخيرة؟

إن أي أفق سياسي حقيقي بين سوريا وإسرائيل يبقى مشروطًا أولًا بترتيب البيت السوري الداخلي، وبإنهاء منطق إدارة الصراع عبر الوكلاء. فترك الأمور لرغبات إسرائيل الأمنية، ولمناورات القوى الإقليمية، لن يؤدي إلا إلى تكريس سوريا كساحة مفتوحة لحروب الآخرين، وإطالة أمد الأزمة، بدل فتح باب الحل.

والسؤال الجوهري الذي يبقى مطروحًا:

هل تملك الحكومة السورية الانتقالية الإرادة والقدرة على كسر هذه الحلقة، أم أن سوريا تتجه، مرة أخرى، إلى دور «الساحة» بدل الدولة؟

- Advertisement -

- Advertisement -