لكل السوريين

محمد خير حمدون… سيرة وفاء واحتراف في ذاكرة كرة القدم الحلبية والسورية

في سجل كرة القدم الحلبية، أسماءٌ لا تغيب مهما طال الزمن، لأنها لم تكن مجرد لاعبين أو مدربين عابرين، بل كانت جزءًا أصيلًا من هوية اللعبة وروحها. ومن بين هذه الأسماء يبرز الراحل محمد خير حمدون، أحد أبناء الجيل الذهبي لنادي الحرية الحلبي، وأحد الشخصيات الكروية التي جمعت بين العطاء داخل المستطيل الأخضر والوفاء الصادق للنادي والمدينة.

من ملاعب الفئات العمرية إلى صفوف الكبار

وُلد محمد خير حمدون عام 1961، وانضم إلى صفوف نادي الحرية في سن مبكرة، ضمن مجموعة كبيرة من اللاعبين الذين شكلوا قاعدة صلبة لفرق صغار النادي. ومنذ خطواته الأولى، بدا واضحًا أنه لاعب يمتلك مقومات فنية وبدنية مميزة، أهلته للتدرج بثبات في جميع فئات النادي، حتى أصبح واحدًا من ركائز الفريق الأول على مدى ما يقارب عشرين عامًا من العطاء المتواصل.

شغل حمدون مركز الظهير الأيمن بشكل أساسي، وكان يُجيد كذلك اللعب في مركز الجناح الأيمن عند الحاجة، مستفيدًا من لياقته العالية، وقدرته على التقدم الهجومي والعودة الدفاعية بانضباط تكتيكي لافت. وشارك مع ناديه في معظم مباريات الدوري السوري العام، في فترة كانت تشهد منافسة قوية بين الأندية، وكان نادي الحرية خلالها أحد أبرز المنافسين على اللقب في تسعينات القرن الماضي.

إنجاز الدوري وهدف لا يُنسى

كان الراحل ضمن أفراد الفريق التاريخي الذي أحرز بطولة الدوري السوري موسم 1994، وهو إنجاز سيبقى محفورًا في ذاكرة جماهير الحرية وكرة القدم الحلبية عمومًا. وخلال مشاركاته في الدوري، سجل عددًا من الأهداف المهمة، إلا أن أجملها وأكثرها حضورًا في الذاكرة جاء في مباراة الحرية والجيش عام 1988 على ملعب السابع من نيسان، حين أطلق تسديدة صاروخية من مسافة تقارب 40 مترًا، استقرت في شباك الحارس الكبير مالك شكوحي، مسجلًا هدف التعادل في لقطة وصفت آنذاك بأنها من أروع أهداف الموسم.

ومن الطرائف التي تُروى في مسيرته الكروية، أنه اضطر في إحدى مباريات الحرية وأمية إلى الوقوف حارسًا للمرمى، لعدم وجود حارس بديل، ليؤكد مرة أخرى روح التضحية والالتزام التي ميزته طوال مسيرته.

حضور دولي مع المنتخب الوطني

لم يكن تألق محمد خير حمدون محصورًا على مستوى ناديه فقط، بل امتد إلى المنتخب الوطني السوري. فقد تمت دعوته للانضمام إلى معسكر المنتخب الوطني عام 1987 برفقة زميله أحمد هواش، استعدادًا لـ دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط العاشرة التي أُقيمت في مدينة اللاذقية.

كما كان من بين اللاعبين الذين تمت دعوتهم لمنتخب الرجال المشارك في كأس العرب بالأردن عام 1988، وشارك كذلك مع المنتخب في دورتين وديتين أُقيمتا في روسيا وألمانيا، ما منحه خبرة دولية مهمة انعكست لاحقًا على مسيرته التدريبية.

من لاعب ملتزم إلى مدرب قارئ للمباريات

بعد اعتزاله اللعب، لم يبتعد محمد خير حمدون عن المستطيل الأخضر، بل اختار طريق التدريب، واضعًا خبرته الطويلة في خدمة الأجيال القادمة. شارك في العديد من الدورات التدريبية التي نظمها الاتحاد السوري لكرة القدم بإشراف الاتحادين العربي والآسيوي، وحصل على الشهادات الآسيوية C وB، إضافة إلى مشاركته في دورة تدريبية متقدمة في إيطاليا.

بدأ مشواره التدريبي عام 1995 في المراكز التدريبية التي افتتحها نادي الحرية، واستمر فيها سبعة أعوام، حقق خلالها نتائج لافتة، أبرزها إحراز المركز الأول في البطولات المركزية التي أُقيمت في حلب ودير الزور عامي 1996 و1997.

إنجازات مع الفئات العمرية والفرق

كُلّف لاحقًا بتدريب منتخب شباب حلب، وقاده إلى إحراز بطولة سورية، ثم تولى تدريب فريق ناشئي نادي الحرية، بالتوازي مع عمله مساعدًا لمدرب فريق الرجال لمدة ستة مواسم متتالية، في مرحلة حساسة من تاريخ النادي

عمل خلال مسيرته التدريبية مع نخبة من المدربين البارزين، من بينهم:

يونس داوود، ديبو شيخو، محمد دهمان، محمد نسريني، محمد حلو، أحمد هواش، إضافة إلى المدرب البلغاري إيدناسي، وأسهم معهم في تخريج عدد كبير من اللاعبين المميزين، أمثال:

مصطفى حمصي، مصطفى بطل، مهند شيخ ديب، أحمد كلزي وغيرهم.

كما تولى تدريب فريق عفرين عندما كان ضمن أندية الدرجة الأولى، ثم انتقل لتدريب فريق جسر الشغور، قبل أن يعود ليتولى تدريب رجال نادي الحرية في موسم 2011، في خطوة عكست ارتباطه العاطفي والمهني بناديه الأم.

حضور في المنتخبات الوطنية

وعلى صعيد المنتخبات، تم تكليفه مساعدًا لمدرب المنتخب الأولمبي السوري مع المدرب مروان خوري عام 2010، وشارك المنتخب آنذاك في دورة المتوسط بمدينة إسكارا الإيطالية، مضيفًا محطة جديدة إلى مسيرته الغنية.

شاهد على أجيال متعاقبة

عاصر محمد خير حمدون عدة أجيال في نادي الحرية، وكان حلقة وصل بين الماضي والحاضر. فمن الجيل الأول برز إلى جانبه:

عبد الفتاح حوا، أحمد قدور، محمد عقاد، مجد الدين دهني،

ومن الجيل الثاني: فايز خسروف، محمد الحلو،

ومن الجيل الثالث: وليد الناصر، عبد اللطيف الحلو، علي الشيخ ديب.

إرث لا يُنسى

برحيل محمد خير حمدون، فقدت كرة القدم الحلبية والسورية قامة رياضية حقيقية، عرفت بالوفاء، والانضباط، والعمل بصمت، بعيدًا عن الأضواء. سيبقى اسمه حاضرًا في ذاكرة نادي الحرية، وفي وجدان كل من عرفه لاعبًا مقاتلًا، ومدربًا مثقفًا، وإنسانًا ترك أثره الطيب أينما حلّ.

رحم الله محمد خير حمدون، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه للرياضة في ميزان حسناته.

- Advertisement -

- Advertisement -