مع بداية الخريف، تعود الحياة إلى مطابخ حمص وريفها، لكن ليس الحياة المادية فقط، بل حياة الذكريات، والطقوس، والدفء الذي تصنعه الأيادي النسوية. في هذه المطابخ، تنهمك النساء في تحضير مؤونة الشتاء، التقليد العريق الذي ورثته الأجيال جيلاً بعد جيل. الطقوس هنا ليست مجرد تحضير طعام، بل سيمفونية حياة تعبّر عن الصبر، والاعتماد على الذات، والتكافل الاجتماعي، والفلسفة العميقة التي عاشها أهل حمص عبر القرون.
مع تصاعد الأزمة الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية، تغير المشهد هذا العام، إذ تقلّصت كميات المؤونة، وغابت بعض الأنواع التي كانت جزءًا من ذاكرة الشتاء، وبقيت النساء متمسكات بالأساس: دبس الرمان، دبس الفليفلة، المكدوس، وبعض الخضار المجففة، محتفظات بها رغم ضيق الحال، وكأنها تحمي رصيد البيت من النسيان.
دبس الرمان… رائحة الحنين التي تنبعث من القدور
في ريف حمص الغربي، حيث تنتشر بساتين الرمان بين البيوت، تتداخل رائحة دبس الرمان المغلي مع دخان الحطب، معلنةً عن موسم جديد من العمل والحنين. العملية هنا طويلة ودقيقة، تبدأ من قطف الثمار الحامضة وغسلها جيدًا، ثم ضربها بالعصا لاستخراج الحب، وفرز الحبوب عن القشور الصفراء التي قد تعطي طعمًا مرًا. بعدها تُطحن الحبوب في الخضاضة ويُصفّى العصير بالشاش حتى نحصل على سائل صافٍ، قبل أن يوضع على نار هادئة لساعات عدة ليصبح كثيفًا وذو لون غامق جميل. في نهاية المطاف، يُعبأ الدبس في زجاجات نظيفة ليصبح جزءًا من مؤونة الشتاء.
تقول الحاجة أم طلال من قرية ربلة: “منذ صغري وأنا أشارك أهلي في صناعة دبس الرمان. العملية طويلة لكنها ممتعة، وفي كل خطوة أشعر بأنني أنقل شيئًا من روح البيت إلى المستقبل. كل زجاجة دبس تحمل ذكرياتنا وعرقنا وتعبنا.”
في منزل أم وليد، سيدة خمسينية من حي باب السباع، تختلط أصوات غليان القدور بضحكات أبنائها الذين يساعدونها في التحضير. تقول مبتسمة:
“دبس الرمان جزء من هويتنا. نستخدمه في الفتوش واليالنجي والمحاشي، وحتى في صحن الزيتون مع دبس الفليفلة. طعمه مختلف عن الصناعي؛ فيه روح البيت وعرق التعب، وهذا ما لا يُشترى بالمال.”
دبس الفليفلة… حرارة العمل وفرحة الشرفات
أما دبس الفليفلة، فهو حكاية أخرى من صبر النساء وحنكتهن. في قرى ريف حمص الشرقي، تمتد الحقول الحمراء بالفليفلة، وتبدأ السيدات بتنشيفها تحت الشمس منذ مطلع أيلول. السيدة سحر الحمصي تقول:
“نختار الفليفلة البلدية الصغيرة لأنها أطيب وأقل رطوبة، ونخلطها مع نوع يسمى قرن الغزال لنحصل على لون وطعم متوازن. بعد غسلها وتنظيفها من البذور، ننشرها على شراشف نظيفة في ساحة الدار لعدة أيام، ثم نطحنها ونضيف الملح وزيت الزيتون. أحيانًا نطبخها قليلاً على النار لتعقيمها، ثم نعيد نشرها لتجف نهائيًا قبل وضعها في أوعية زجاجية مؤونة للشتاء.”
تضحك قائلة: “البيت يصبح معملًا صغيرًا، والجو مليء برائحة الفليفلة الحارة التي تجعلنا نسعل ونضحك في الوقت نفسه.”
تشرح أختها منى أسلوبها الخاص في الطهي، إذ تفضل إعداد كميات صغيرة على فترات متباعدة لتجنب الفوضى:
“أطبخ خمسة كيلوغرامات فقط في كل مرة، وأضيف القليل من زيت الزيتون على وجه الدبس لحفظه. نستخدمه مع الملوخية والرشتاية والمحمرّة وحتى مع صحن البطاطا المقلية. طعمه لا يُقاوم.”
المكدوس… الملك الذي ينتظر النساء
المكدوس، الأكلة التي لا تخلو منها موائد الشتاء، تنتظرها النساء حتى تشرين الأول حين تبرد الأجواء ويصبح الجوز وزيت الزيتون الجديدان متوافرين. تقول السيدة نوال من حي عكرمة:
“نختار الباذنجان الزهري الصغير، نغليه قليلاً حتى يلين، ثم نعصره جيدًا ونحشيه بخليط من الجوز البلدي والثوم ودبس الفليفلة الجديدة. بعد الحشو، نضع المكدوس في مرطبانات زجاجية ونقلبها ليوم كامل حتى تخرج المياه، ثم نغمره بزيت الزيتون الطازج. السر في النكهة هو نوع الزيت والجوز، فلا شيء يعوضهما.”
المكدوس هنا ليس مجرد طعام، بل ذاكرة نسائية محفوظة بالزيت والجهد والحنكة، كل قطعة تحمل إرثًا من الأجيال وحكايات الأم والأخت والجارة.
التحديات الاقتصادية… صمود النساء في مواجهة الغلاء
لكن هذا الموسم لم يخلُ من الصعوبات. اضطرّت كثير من النساء إلى تقليص مؤونتهن بسبب ارتفاع الأسعار، إذ باتت تكلفة تحضير مؤونة بسيطة لعائلة متوسطة تعادل رواتب عدة أشهر. تقول أم حسام من حي الزهراء:
“كنت أحضر كل سنة عشرات الكيلوغرامات من المكدوس والفليفلة، أما الآن فاقتصرت على القليل. الدخل لا يكفي، والمدارس بدأت، وكل شيء غالٍ.”
وتضيف فادية، متقاعدة:
“المؤونة كانت ضمانًا للشتاء، توفر علينا مصاريف كبيرة. أما اليوم فصارت ترفًا لا نقدر عليه. مع ذلك، أحاول أن أحتفظ ولو بمرطبان صغير من دبس الفليفلة لأشم رائحة أيام زمان.”
مؤونة الشتاء… ذاكرة تتجاوز الطعام
في نهاية المطاف، مؤونة الشتاء في حمص أكثر من مجرد طعام، إنها ذاكرة بيت وحنين إلى زمن الوفرة والبساطة. ورغم قسوة الظروف الاقتصادية وتراجع الإمكانيات، ما زالت النساء الحمصيات يحافظن على هذا التقليد العريق، يواجهن به برد الشتاء وأعباء الحياة، ويجدن فيه دفئًا معنويًا يربطهن بالأرض والعائلة والماضي.
حتى وإن قلت الكميات وتبدلت الأدوات، يبقى جوهر المؤونة واحدًا: حب البيت، عبق النار، نكهة التعب الممتزجة برائحة الرمان والفليفلة والزيتون، التي تملأ بيوت حمص دفئًا وصمودًا في وجه قسوة الأيام.
دفء لا يُشترى
هي المؤونة التي تصنعها النساء ليست مجرد طعام، بل حائط صمود، ووسيلة بقاء، واحتفاء بالذاكرة والهوية. كل سيدة تحمي زجاجتها الصغيرة كأنها تحمي جزءًا من روحها، وكل خطوة في تحضير المؤونة هي تحدٍ وصبر وإبداع. المؤونة هي رمز القوة اليومية للمرأة الحمصية، التي تعلم أن البقاء على الأرض هو البقاء على البيت والذكريات والعائلة، وأن الدفء الحقيقي لا يأتي من النار وحدها، بل من المرأة التي تصنعه بعناية في كل فصل من فصول الحياة.