السوري ـ حلب
لم يمر إعلان التشكيلة النهائية لمجلس الشعب السوري بهدوء في مدينة حلب، إذ سرعان ما تحوّل ضعف التمثيل النسائي إلى محور نقاش واسع داخل الأوساط المدنية، بعدما اعتبرت ناشطات أن المجلس الجديد لا يعكس حجم الدور الذي لعبته المرأة السورية خلال سنوات الثورة، ولا يواكب الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن الشراكة في بناء مؤسسات الدولة.
وفي خطوة حملت رسائل سياسية واضحة، نظمت عشرات النساء وقفة احتجاجية في الساحة المقابلة لجامعة حلب، مطالبات بإعادة النظر في آليات اختيار أعضاء المجلس، معتبرات أن القضية لا تتعلق بعدد المقاعد المخصصة للنساء بقدر ما ترتبط بمفهوم العدالة السياسية وتكافؤ الفرص داخل مؤسسات الحكم.
احتجاج يتجاوز الأرقام
المشاركات في الوقفة أكدن أن الاعتراض لا يستهدف الشخصيات التي وصلت إلى البرلمان، بل يركز على الطريقة التي جرى بها تشكيل المجلس، والتي وصفنها بأنها أعادت إنتاج تمثيل محدود للمرأة، رغم الحضور الواسع للسوريات في العمل الإغاثي والحقوقي والتعليمي والإداري طوال السنوات الماضية.
وترى ناشطات أن حلب، التي قدمت مئات الكفاءات النسائية في مختلف المجالات، تستحق حضوراً أكثر تأثيراً داخل السلطة التشريعية، بما ينسجم مع حجم المحافظة ودورها في الحياة العامة.
من الثورة إلى المؤسسات… أين النساء؟
خلال أكثر من عقد، شاركت المرأة السورية في إدارة المؤسسات المدنية، وتنظيم المبادرات الإنسانية، والتعليم، والإعلام، والعمل الحقوقي، إضافة إلى مساهمتها في إدارة المجالس المحلية والهيئات المدنية في العديد من المناطق.
وتقول ناشطات إن هذا الحضور لم ينعكس بصورة عادلة داخل البرلمان الجديد، معتبرات أن المرحلة الانتقالية تمثل فرصة لإعادة بناء الحياة السياسية على أسس تقوم على الكفاءة والشراكة، لا على التمثيل المحدود أو الرمزي.
مطالب بإصلاح آليات الاختيار
وتطالب المشاركات باعتماد معايير أكثر شفافية في اختيار أعضاء المؤسسات التشريعية، بحيث تستند إلى الخبرة والكفاءة والتمثيل المجتمعي، مع ضمان مشاركة نسائية فاعلة تمنح المرأة دوراً حقيقياً في التشريع والرقابة وصناعة القرار.
كما دعت المحتجات إلى الالتزام بنسبة تمثيل لا تقل عن 30 بالمئة للنساء في المؤسسات المنتخبة والمعينة، معتبرات أن هذا السقف يمثل الحد الأدنى لتحقيق مشاركة سياسية متوازنة.
رسائل تتجاوز مجلس الشعب
ورغم أن الوقفة ركزت على تركيبة مجلس الشعب، فإن الرسائل التي حملتها تجاوزت حدود البرلمان، لتفتح نقاشاً أوسع حول طبيعة المرحلة السياسية المقبلة، ومدى استعداد الدولة لترجمة وعودها المتعلقة بالمشاركة والمواطنة إلى سياسات عملية.
ورأت المشاركات أن بناء مؤسسات جديدة لا يكتمل من دون إشراك النساء في مواقع القرار، بعيداً عن الاكتفاء بحضور شكلي لا يمنحهن القدرة على التأثير في السياسات العامة.
انتقادات للنهج الحكومي
ويرى مراقبون أن الجدل الذي أثارته قائمة التعيينات يكشف استمرار الفجوة بين الخطاب الحكومي الداعي إلى تمكين المرأة وبين الواقع العملي، إذ ما تزال آليات الاختيار، بحسب ناشطات، تفتقر إلى معايير واضحة تضمن تكافؤ الفرص وتمثيل الكفاءات النسائية بصورة عادلة.
ويؤكد هؤلاء أن تعزيز حضور المرأة لا ينبغي أن يقتصر على الاستجابة لضغوط الرأي العام، بل يجب أن يتحول إلى سياسة مؤسساتية تعكس مبادئ المساواة وتمنح النساء دوراً فعلياً في رسم السياسات وصناعة القرار.
اختبار مبكر للمرحلة الجديدة
وتأتي الاحتجاجات في وقت تتزايد فيه المطالب بإعادة بناء المؤسسات السورية على أسس أكثر تمثيلاً للمجتمع، وسط تساؤلات حول قدرة مجلس الشعب الجديد على استيعاب مختلف المكونات والفئات التي كان لها حضور بارز خلال سنوات الثورة.
وبالنسبة لناشطات حلب، فإن قضية التمثيل النسائي لم تعد مجرد مطلب حقوقي، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمدى جدية المرحلة الجديدة في الانتقال من الوعود السياسية إلى إصلاحات ملموسة تضمن مشاركة جميع السوريين والسوريات في صناعة مستقبل البلاد.