السوري ـ دمشق
لم تعد أزمة السوريين اليوم مرتبطة فقط بارتفاع الأسعار أو تراجع القدرة الشرائية، بل باتت تتعلق أيضاً بسعر العملة نفسها، التي أصبحت تُقاس بقيمتين مختلفتين؛ واحدة رسمية تعتمدها المؤسسات الحكومية والمصرف المركزي، وأخرى تفرضها السوق السوداء التي تتحكم فعلياً بحركة البيع والشراء داخل الأسواق السورية. وبين هذين السعرين، يجد المواطن نفسه الخاسر الأكبر، فيما تتوسع دائرة المستفيدين من المضاربة اليومية على الدولار والعملات الأجنبية.
في دمشق وبقية المدن السورية، تحولت متابعة أسعار الصرف إلى جزء من الحياة اليومية للسكان، تماماً كما تُتابع أسعار الخبز والمحروقات. فالفارق الكبير بين التسعيرة الرسمية وسعر السوق الموازية خلق حالة من الفوضى الاقتصادية، انعكست بشكل مباشر على حياة الناس، وعلى حركة التجارة، وحتى على قيمة الحوالات القادمة من الخارج.
وسجل المصرف المركزي السوري اليوم الاثنين 11/ أيار تسعيرة الدولار 11250 بينما يتعدة 13500 في السوق السوداء.
يقول أبو أحمد، وهو موظف حكومي في دمشق، إن المشكلة لا تكمن فقط في انخفاض الراتب، بل في الطريقة التي تُحتسب بها قيمة الأموال داخل البلاد. ويوضح أن ابنه يرسل له حوالة شهرية بالدولار من الخارج، لكنه يستلمها وفق السعر الرسمي أو بسعر أقل من السوق، بينما تُباع جميع السلع في الأسواق على أساس سعر الدولار المتداول في السوق السوداء. ويضيف أن جزءاً كبيراً من قيمة الحوالة يضيع فور استلامها، قبل أن يتمكن حتى من شراء احتياجات أسرته الأساسية.
هذه المعادلة، بحسب اقتصاديين، أدت إلى تآكل القدرة الشرائية لملايين السوريين، خاصة مع اعتماد نسبة كبيرة من الأسر على الحوالات الخارجية كمصدر رئيسي للعيش. فالمواطن الذي يستلم أمواله بسعر منخفض، يضطر لاحقاً لشراء المواد الغذائية والسلع والخدمات وفق سعر أعلى بكثير، ما يعني عملياً خسارة تلقائية في قيمة دخله.
*التجار بين الخسارة وتقلبات الدولار*
وفي الأسواق التجارية، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالتجار يؤكدون أن التعامل بالسعر الرسمي لم يعد ممكناً في ظل ارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل والمواد الأولية المرتبطة بالدولار. ويقول سامر، وهو تاجر مواد غذائية في دمشق، إن أغلب التجار يعتمدون سعر السوق السوداء عند التسعير، لأن البضائع تدخل إلى السوق وفق هذا السعر، بينما تبقى بعض الرسوم والمعاملات الرسمية مرتبطة بتسعيرات مختلفة، الأمر الذي يضع التاجر أمام حالة دائمة من عدم الاستقرار والخوف من الخسارة.
ويشير إلى أن التقلبات السريعة في سعر الصرف دفعت الكثير من التجار إلى رفع الأسعار بشكل احترازي، تحسباً لأي ارتفاع مفاجئ في الدولار، ما ساهم في زيادة التضخم وإرباك الأسواق. ويضيف أن بعض السلع يتغير سعرها أكثر من مرة خلال الأسبوع الواحد، ليس بسبب نقص المواد، بل نتيجة التغير المستمر في قيمة العملة.
في المقابل، يرى مواطنون أن محلات الصرافة وبعض تجار العملة باتوا المستفيد الأكبر من هذا الواقع المضطرب. فغياب سعر موحد، ووجود فروقات كبيرة بين الأسعار الرسمية والموازية، فتح المجال أمام المضاربة والتلاعب اليومي بالأسعار. ويقول محمد، وهو صاحب متجر صغير في دمشق، إن أسعار الدولار تختلف أحياناً بين محل صرافة وآخر في الشارع نفسه، وإن بعض الصرافين يستغلون حالة الخوف وعدم الاستقرار لتحقيق أرباح سريعة.
ويضيف أن السوق بات يتحرك وفق الشائعات والتوقعات أكثر من أي معايير اقتصادية واضحة، الأمر الذي جعل المواطنين يسارعون إلى شراء الدولار كلما ظهرت مؤشرات على انخفاض جديد في قيمة الليرة السورية.
*خبراء.. تعدد أسعار الصرف يهدد الاقتصاد*
يرى باسل الهويش وهو خريج كلية الاقتصاد أن تعدد أسعار الصرف يمثل أحد أخطر التشوهات النقدية التي يمكن أن يواجهها أي اقتصاد، موضحاً أن وجود أكثر من سعر للعملة الواحدة يعني عملياً فقدان السوق لمرجعيته الحقيقية. ويؤكد أن هذه الفجوة تخلق بيئة خصبة للمضاربة والفساد، وتمنح الوسطاء والسماسرة فرصة لتحقيق أرباح كبيرة دون أي نشاط إنتاجي حقيقي.
ويضيف أن المواطن يبقى الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، لأنه يتقاضى دخله أو راتبه وفق سعر منخفض، بينما يدفع تكاليف حياته اليومية وفق السعر الأعلى، ما يؤدي إلى تراجع مستمر في مستوى المعيشة.
ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود الأسواق المحلية فقط، بل تمتد إلى بنية الاقتصاد السوري بأكمله. فبحسب مختصين، يؤدي استمرار الفجوة بين السعر الرسمي والسوق السوداء إلى فقدان الثقة بالعملة المحلية، وتوسيع الاقتصاد غير الرسمي، وتشجيع المواطنين والتجار على تخزين الدولار بدلاً من التعامل بالليرة السورية، خوفاً من المزيد من الانهيار.
كما أن عدم استقرار سعر الصرف ينعكس بصورة مباشرة على حركة الاستثمار والإنتاج، حيث يصبح من الصعب على أي تاجر أو صاحب مشروع وضع خطط واضحة في ظل التغير المستمر للأسعار والتكاليف.
*المواطن السوري يدفع الثمن الأكبر*
ورغم الإجراءات المتكررة التي تعلنها السلطات السورية لضبط سوق الصرف، يرى اقتصاديون أن الحلول الأمنية وحدها لن تكون كافية لإنهاء الأزمة، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية حقيقية تعيد الثقة بالسوق والعملة المحلية. ويؤكد مختصون أن توحيد سعر الصرف تدريجياً، وتحسين الإنتاج المحلي، وتعزيز الاحتياطي النقدي، وتخفيف القيود على التحويلات المالية، تعد من أبرز الخطوات المطلوبة للحد من الفوضى الحالية.
وفي ظل استمرار الانقسام بين السعر الرسمي والسوق السوداء، يبقى السوريون عالقين بين واقع اقتصادي متدهور وسياسات نقدية عاجزة عن تحقيق الاستقرار، بينما تستمر الليرة السورية في فقدان قيمتها يوماً بعد يوم، ويواصل المواطن دفع الثمن الأكبر من معيشته واستقراره اليومي.