لكل السوريين

مسافات تهزم الأمل وعبث يطال العظم.. أهل الرستن وتلبيسة يعيدون نبض الحياة لأرض جرداء

حمص/ بسام الحمد

بين ظلال الذكريات وأمل العودة، يقطع “أبو علي” ما يزيد على مئة كيلومتر ذهاباً وإياباً كل أسبوع، مبتدئاً رحلته من مسكنه المؤقت في ريف حمص الشمالي، منتهياً إلى أرضه التي ورثها عن أجداده في ريف الرستن وتلبيسة. هذه الرحلة الشاقة لم تثنِ عزمه عن إحياء أرض ظن الكثيرون أنها ماتت إلى الأبد، لكن إرادة الأحياء أقوى من كل الدمار.

ما يزال “أبو علي” يقيم في منزل متواضع بمنطقة النزوح، رغم مرور أشهر على عودته الأولى لقريته، لكن بيت العائلة لم يعد سوى كومة من الحجارة والذكريات. قرر أن يبدأ من حيث انتهى الجميع، من الأرض. يقول لمراسلنا: “البيت يحتاج إلى سنوات وإمكانيات لنعيد بناءه، لكن الأرض تحتاج إلى أيدينا وقلوبنا فقط. إذا أحيينا الأرض، ستُحيينا”.

ليس “أبو علي” وحده في هذه المعاناة، فكثير من المزارعين العائدين إلى قرى الرستن وتلبيسة يواجهون معضلة يومية: كيف يصلون إلى أراضيهم ويعودون إلى أسرهم في مناطق النزوح؟ وكيف يؤمنون أبسط مستلزمات الحياة والزراعة في منطقة أنهكها الحرب والنسيان؟ المسافات طويلة، والطرقات وعرة، وأبسط اللوازم الزراعية من بذور وأسمدة وأدوات أصبحت أشبه بالكماليات.

لم تكتفِ أيادي التخريب بهدم جدران المنازل وسرقة محتوياتها، بل تجاوزت ذلك إلى سرقة الحجارة نفسها. “أم محمد”، إحدى العائدات، تروي بحسرة: “بيتنا كان مبنيًا بحجر الرستن الأصفر، حجر ورثناه عن الأجداد. لم يكتفوا بهدم السقف وسرقة الحديد، بل قاموا بنزع الحجارة من جذورها ونقلها لبيعها. كأنهم يسرقون ذاكرتنا حجراً حجراً”.

الأمر لم يتوقف عند تدمير المساكن، فالأراضي الزراعية التي كانت يوماً مصدر رزق وكرامة لأهل المنطقة، تعرضت لتخريب ممنهج. تم قطع آلاف الأشجار المثمرة من زيتون وتين وكرمة، وبيعها حطباً، في عملية لم تهدف فقط للربح المادي، بل لتجريف هوية المنطقة وطمس معالم خضرتها. تحولت المزارع التي كانت غابة واحدة متصلة، إلى أراضٍ جرداء يغلب عليها اللون البني الترابي.

مصطلح “الأرض المكسورة” هو اللفظ المحلي الذي يطلقه مزارعو المنطقة على أراضيهم التي فقدت خصوبتها بعد سنوات من الإهمال والاستنزاف. زرعت هذه الأراضي لمواسم متتالية بمحاصيل استهلاكية دون أي عناية بتسميدها أو زراعة المحاصيل، ما أفقدها العناصر الغذائية الأساسية وجعلها عرضة للآفات والأمراض.

المهندس الزراعي “خالد العبود” يشرح: “منطقة الرستن وتلبيسة كانت تعتمد تاريخياً على الزراعة البعلية، لكن تغيرات المناخ وموجات الجفاف المتتالية دفعا المزارعين قبل الحرب للتحول نحو زراعة الأشجار المثمرة كبديل أكثر مرونة. لكن هذه الأشجار التي استثمروا فيها سنوات، تم اقتلاعها بشكل ممنهج. اليوم، يعود المزارعون ليجدوا أنفسهم أمام خسارتين: خسارة الزراعة التقليدية البعلية التي لم تعد مجدية، وخسارة الاستثمار الطويل الأمد في الأشجار المثمرة”.

تتشابك التحديات التي تواجه العائدين في شبكة معقدة تبدو أحياناً مستحيلة الحل. “مريم”، وهي شابة عادت مع عائلتها لزراعة أرضهم، تعدد هذه المعوقات: “الآبار الارتوازية دمرت أو طمرت، والكهرباء منقطعة لأسابيع، مما يعني عدم إمكانية ضخ المياه حتى من الآبار القابلة للإصلاح. الطرق الزراعية أصبحت كالمتاهات، والأسعار فلكية. كيف نشتري البذور والأسمدة وثمن وقود الجرارات يكاد يلتهم كل مدخراتنا؟”.

غياب البنية التحتية الزراعية يشكل تحدياً آخر. لا وجود لشبكات ري حديثة، ولا مخازن تبريد للحفاظ على المحاصيل، ولا أسواق منظمة لتصريف المنتجات. حتى أبسط الأدوات الزراعية أصبح الحصول عليها مغامرة، كما يوضح المزارع “أبو ياسر”: “إذا احتجت لقطع غيار بسيطة للجرار، أو لبرغي معين، قد أضطر لقطع عشرات الكيلومترات ذهاباً وإياباً بين القرى والبلدات المجاورة على أمل العثور عليها. الوقت والجهد والمال الذي نضيعه في تأمين المستلزمات يفوق أحياناً قيمة المنتج نفسه”.

رغم كل هذه التحديات، فإن الدعم الحكومي والمؤسسي للمنطقة يبقى محدوداً وغير كافٍ. “نايف الحمادة”، أحد الناشطين في مجال الإغاثة الزراعية بالمنطقة، يؤكد أن “ما يصل المنطقة من دعم لا يغطي حتى 10% من احتياجاتها الحقيقية. هناك جهود من بعض المنظمات الدولية في تقديم مستلزمات زراعية أو دعم نقدي، لكنها غير منتظمة ولا تستهدف كل المحتاجين. المزارع هنا يشعر بأنه يواجه المعركة وحيداً”.

ويضيف: “المنطقة بأكملها تعاني من التهميش في الخطط التنموية. لم تدرج ضمن أولويات إعادة الإعمار، رغم أهميتها الزراعية التاريخية وإمكانياتها الكبيرة. العائدون هنا لا يحتاجون فقط لدعم زراعي، بل يحتاجون لبرامج إعادة اندماج اجتماعي واقتصادي شاملة. هم لا يزرعون الأرض فقط، بل يزرعون الأمل من جديد”.

لا يمكن الحديث عن التحديات دون ذكر الكابوس اليومي الذي يهدد حياة العائدين: الألغام والذخائر غير المنفجرة. تحولت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية إلى حقول ألغام غير مرئية، تنتظر ضحيتها الأولى لتردد صدى المأساة من جديد. تقوم بعض الفرق المختصة بعمليات تطهير، لكنها بطيئة ولا تغطي كل المناطق بسبب محدودية كوادرها. كثير من المزارعين يضطرون للمخاطرة بزراعة أراضٍ لم تطهر بالكامل.

في وسط هذه الصورة القاتمة، تنتصب قصص صمود صغيرة كشموع تضيء درب العودة. “أم ياسر”، التي فقدت زوجها وأبناءها في الحرب، عادت مع بناتها لزراعة أرض العائلة. تقول بثبات: “هذه الأرض هي كل ما تبقى لنا. قد نموت جوعاً، لكننا لن نتركها مرة أخرى. نزرعها بقوتنا، ونسقيها بدموعنا، ولكننا سنُثمرها”.

تجربة “عبد الكريم” تقدم نموذجاً للبدايات المتواضعة التي تحمل وعوداً كبيرة. بعد عودته، لم يستطع زراعة كل أرضه، فبدأ بقطعة صغيرة، زرعها بالبقوليات التي تحتاج لمياه قليلة. ثم تعاون مع جيرانه في تجميع مدخراتهم واشتروا مضخة مياه تعمل على الطاقة الشمسية لبئر جماعي. يقول: “الوحدة قاتلة. عندما نتحد، نستطيع أن نفعل المستحيل. هذه المضخة ليست للري فقط، إنها تروي أملنا بالحياة”.

رغم كل المعوقات، يرى المهتمون بالشأن الزراعي في المنطقة إمكانيات هائلة للنهوض. يقترح المهندس “العبود” رؤية مستقبلية تقوم على: “تحويل المأساة إلى فرصة. منطقة الرستن وتلبيسة مؤهلة لأن تكون نموذجاً للزراعة الذكية مناخياً والزراعة العضوية. طبيعتها وتربتها مناسبة لزراعة محصولات ذات قيمة مضافة عالية مثل الزعتر والكمون والأعشاب الطبية. بدلاً من العودة للزراعة التقليدية، يمكن تبني نماذج زراعية مستدامة تعتمد على تقنيات الري الحديثة، وتدوير المياه، والاستفادة من الطاقة الشمسية”.

ويضيف: “المطلوب ليس فقط تقديم المساعدات العاجلة، بل وضع استراتيجية تنموية متكاملة للمنطقة تشمل إعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية، وتعبيد الطرق، وإصلاح شبكات الكهرباء، وتوفير مراكز دعم زراعي متنقلة، وإطلاق برامج تدريبية للمزارعين على التقنيات الحديثة. كما يجب العمل على ربط الإنتاج بالأسواق المحلية والعالمية، وتشجيع إنشاء تعاونيات زراعية تسهل عملية التسويق وتخفض التكاليف”.

قصة مزارعي الرستن وتلبيسة هي قصة الإنسان السوري بامتياز: إرادة تطحن الصخر، وأمل يتحدى الموت، وحب للأرض يتجاوز كل حسابات المنطق. هم لا يحملون المعاول لزراعة الأرض فقط، بل ليحفروا بها طريقاً للعودة والكرامة.

وقد تكون التحديات جساماً، والمسافات طويلة، والجراح عميقة، لكنهم يعلمون أن أول الطريق يبدأ ببذرة، وأول العودة تبدأ بخطوة. وفي كل صباح، يقطع “أبو علي” ومعه المئات تلك المسافات الطويلة، ليس لأنهم يملكون اليقين بالنجاح، بل لأنهم يرفضون الاستسلام للفشل. الأرض التي عاشت معهم سنين الحرب، تستحق أن يعيشوا معها سنين السلام.

- Advertisement -

- Advertisement -