اللاذقية/ يوسف علي
تشهد مناطق الساحل السوري منذ مطلع تشرين الأول الجاري موجة من الاحتجاجات والغضب بين العاملين في القطاعين الصحي والصناعي، نتيجة تراكم الأزمات المعيشية والإدارية، والتي كان آخرها تعليق صرف الرواتب لفترات طويلة وفصل مئات الموظفين في قرارات وصفها كثيرون بأنها صادمة وغير مبرّرة.
وفي دمشق، نظم عشرات الأطباء وقفة احتجاجية أمام مبنى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، مطالبين بصرف رواتبهم المتوقفة منذ أكثر من عشرة أشهر، رغم وجود قرار رسمي صريح ينص على استمرار صرف الرواتب، ويعمل هؤلاء الأطباء، معظمهم من المقيمين التابعين لوزارة الدفاع والمكلفين بالعمل في مشافي وزارة الصحة، منذ نحو خمسة أشهر من دون أي مقابل مالي، ما جعلهم يواجهون ضغوطاً مالية هائلة، خصوصاً مع تحمّلهم تكاليف الحياة الباهظة ورعاية أسرهم.
أحد الأطباء المشاركين في الوقفة، والذي طلب عدم ذكر اسمه، قال: “نحن نحب عملنا ونؤدي واجبنا تجاه المرضى، لكن لا يمكن لأحد أن يعيش بلا راتب لأكثر من عشرة أشهر. البعض منا لديه قروض ومستحقات لأسرنا، ووضعنا أصبح لا يُطاق.” وأضاف طبيب آخر: “الأمر لم يعد مجرد قضية مالية، بل أصبح مسألة كرامة مهنية وأكاديمية. نطالب بإنهاء حالة الالتباس بين وزارتي الدفاع والصحة، وضمان حقوقنا القانونية والإدارية”.
من جانبها، استجابت الأمانة العامة للرئاسة للوقفة الاحتجاجية، إذ التقت عدداً من الأطباء واستمعت لشكاواهم، وأبدت استعدادها للتعاون معهم ووعدت بإنصافهم في أقرب وقت ممكن.
وقد وصف أحد المشاركين اللقاء بأنه “إيجابي نسبياً”، لكنه أشار إلى أن التحدي الأكبر هو تحويل هذه الوعود إلى قرارات تنفيذية فعلية تضمن حقوق الأطباء المالية والإدارية والأكاديمية، وليس مجرد تصريحات إعلامية”.
وفي الوقت نفسه، تشهد محافظة اللاذقية وجبلة تصعيداً آخر، إذ أصدرت الشركة العامة للغزل والنسيج قراراً في التاسع من تشرين الأول بإنهاء خدمة 234 عاملاً وعاملة، بعد يوم واحد فقط من فصل 49 عاملاً آخرين، ليصل العدد الإجمالي إلى 283 عاملاً خلال 48 ساعة فقط.
وغالبية هؤلاء العمال المفصولين من السكان المحليين الذين قضوا سنوات طويلة في الخدمة، ما جعل القرار صادماً لهم ولأهاليهم، إذ اعتبره كثيرون بمثابة “نكسة مهنية واجتماعية”.
أحد العمال المفصولين من معمل جبلة قال: “خدمت هذه المنشأة منذ أكثر من عشرين عاماً، ولم أتعرض لأي إنذار أو تقييم سلبي، وفجأة وجدت اسمي ضمن قائمة الفصل. نحن لا نعرف سبب هذا القرار ولا من المسؤول عنه.”
وتشير تقارير محلية إلى أن هذه القرارات تأتي في وقت تشهد فيه الشركة تحديات إنتاجية كبيرة، لكن مراقبين يرون أن الفصل الجماعي بهذه السرعة وفي ظل غياب خطة واضحة لإعادة توزيع المهام أو تدريب العمال الجدد، يمثل سياسة غير مدروسة قد تؤثر سلباً على جودة العمل والإنتاجية.
وقد أعرب ناشطون محليون عن غضبهم من هذه القرارات على مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرين أن هذه السياسة “تفتح الباب أمام تمييز وظيفي ومناطقي”، ودعوا الجهات الرسمية إلى فتح تحقيق عاجل في أسباب الفصل الجماعي ومراجعة الأوضاع القانونية للعاملين.
ويعكس ما يحدث في القطاعين الطبي والصناعي تراكم الضغوط المعيشية والإدارية في المؤسسات الحكومية، حيث يتفاقم معاناة العاملين بين تأخر الرواتب، وتراجع قيمة الأجور، وتسريح العمال دون وجود بدائل واضحة أو خطط إصلاحية، ما يؤدي إلى فقدان الثقة في تلك المؤسسات.
ووفقاً لمراقبين اقتصاديين، فإن استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى هجرة الكفاءات الطبية والصناعية، وتراجع مستوى الخدمات العامة، خصوصاً في المناطق الساحلية التي تعتمد بشكل كبير على هذه الكوادر.
ويضيف أحد الخبراء في الشؤون الاقتصادية: “هذه الأزمات ليست مجرد أحداث عابرة، بل هي انعكاس لأزمة أعمق في الإدارة المالية والإنتاجية في مؤسسات الحكومة. بدون إصلاحات جذرية تضمن حقوق العاملين وتحسن إدارة الموارد، ستتفاقم هذه المشاكل ويصبح الحل متأخراً”.
ويؤكد عدد من الأهالي أن ما يحدث ينعكس مباشرة على المجتمع المحلي، إذ أن توقف رواتب الأطباء يؤثر على جودة الخدمات الصحية، وفصل العمال من معامل الغزل والنسيج يضاعف نسب البطالة ويزيد من الضغط على الأسر المحلية. وقال أحد أهالي اللاذقية: “العمال الذين فُصلوا هم عماد مجتمعنا، وعندما تُسحب حقوقهم أو يُستبدلوا بآخرين دون خبرة، فإن ذلك يؤثر علينا جميعاً، ليس فقط على المستوى الاقتصادي بل على المستوى الاجتماعي والنفسي”.
وفي ظل هذه الأزمات، يبقى العاملون في انتظار إجراءات رسمية عملية تضمن حقوقهم، مع مطالب واضحة بإنهاء التباسات الوضع القانوني والإداري، وصرف الرواتب المتأخرة، وتوضيح أسباب الفصل الجماعي للعمال، ووضع خطط بديلة تضمن استقرار الإنتاج وجودة العمل.