لكل السوريين

المفرقعات في شوارع دمشق.. متعة مؤذية تزرع الخوف بين الصغار والكبار

دمشق/ مرجانة إسماعيل

في أزقة وشوارع دمشق القديمة والحديثة، لم يعد صوت الألعاب النارية والمفرقعات يقتصر على أعياد الميلاد أو الاحتفالات الرسمية كما كان في الماضي، بل أصبح من الظواهر اليومية التي تُشعل القلق بين الأهالي. أصوات الانفجارات الصغيرة والفرقعات المفاجئة لم تعد مجرد ضجيج، بل أصبحت تهدد سلامة الأطفال والبالغين على حد سواء، خاصة مع انتشار مسدسات الخرز وألعاب نارية غير خاضعة للرقابة بين أيدي الصغار، ما قد يؤدي إلى إصابات بالغة مثل فقدان العين أو حروق وجروح.

على الرغم من الحظر القانوني الواضح لهذه التجارة، وحملات الأجهزة الأمنية المتكررة لمراقبة الأسواق ومنع دخولها، إلا أن الواقع يشير إلى أن هذه المواد تجد طريقها بسهولة إلى المحال والأسواق الشعبية، لتصل إلى أيدي الأطفال كما لو كانت “قنابل موقوتة” تهدد السكينة العامة في العاصمة التي ما زالت تتعافى من سنوات الحرب والدمار.

في حي الميدان، يعبر الأهالي عن استيائهم بشكل واضح، إذ يقول أحد السكان: “الليل أصبح لا يعرف الهدوء، أصوات المفرقعات تصم الأذان، نحن الكبار نخاف منها فكيف الأطفال؟” ويضيف: “الأمر لم يعد يحتمل، والأمن لو كثف مراقبته لكانت النتائج أفضل بكثير”. وتتكرر هذه الشكاوى في أحياء أخرى مثل الشاغور، القصور، والقصاع، وحتى في مناطق راقية مثل أبو رمانة والقطيفة، حيث أصبح صوت المفرقعات جزءاً من المشهد اليومي، يشبه أحياناً طلقات الرصاص.

الأهالي يؤكدون أن المفرقعات الحالية أشد خطورة من سابقاتها، فهي أقوى وأكثر قدرة على التسبب بإصابات جسدية، خصوصاً للأطفال الذين ينجذبون إليها بلا وعي لمخاطرها. أبو سامر، وهو رب عائلة من حي القيمرية، يروي: “أعود كل يوم من العمل وأنا أخشى أن يكون أحد أطفالي قد أصيب بعينه أو يده بسبب مسدس خرز أو مفرقعة، حاولت منعهم، لكنهم يجدونها بسهولة عند الأصدقاء أو في الأسواق، الحل ليس توعية فقط، بل ضبط شامل”.

حادثة مؤلمة وقعت مؤخراً في حي أبو رمانة، عندما أصيب طفل في الثامنة من عمره إصابة خطيرة في عينه نتيجة إطلاق خرزة بلاستيكية من مسدس لعبة، واضطر الأهل لنقله إلى المستشفى على وجه السرعة لإجراء عملية عاجلة. هذه الحوادث المتكررة تترك الأهالي في حالة قلق دائم على سلامة أطفالهم، ومع أن القانون السوري يمنع بشكل قطعي استيراد وبيع المفرقعات ومسدسات الخرز، إلا أن السوق السوداء مزدهرة، وتدر أرباحاً كبيرة على التجار الذين يلهثون وراء الربح السريع دون أي اعتبار للأخطار.

أحد التجار، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أكد أن الطلب على المفرقعات يزداد بشكل كبير خلال الأعياد والمناسبات، مشيراً إلى أن الأهالي يشترونها لأولادهم على أنها وسيلة للتسلية، لكنه اعتراف يرفضه كثيرون، معتبرين أن هؤلاء التجار ضعاف النفوس ويعرضون حياة الأطفال للخطر من أجل المكاسب المالية السريعة.

الأهالي يطالبون بإجراءات صارمة تشمل تسيير دوريات يومية في الأسواق، تفتيش المستودعات، وتشديد الرقابة على المنافذ الحدودية لمنع تهريب هذه المواد، معتبرين أن الحملات المؤقتة غير كافية وأن هناك حاجة لتدخل جدي ومستمر. أحد سكان حي الشاغور يقول: “نريد حركة أمنية مستمرة، المفرقعات ليست مجرد لعبة، بل خطر حقيقي قد يحصد الأرواح”.

المفارقة أن الكثير من العائلات تشترى هذه الألعاب لإدخال البهجة والفرح إلى المنازل خلال المناسبات، لكن في كثير من الحالات، تتحول هذه الألعاب إلى أدوات مؤذية أو قاتلة. أحد الأهالي اعترف بأنه يشتري المفرقعات لأطفاله رغم معرفته بالمخاطر، متناسياً أن حياتهم أغلى من أي متعة مؤقتة.

القانون السوري واضح وصارم، حسب المحامي حسام الزعبي، إذ يحظر صنع واستيراد وبيع المفرقعات ونقلها من دون ترخيص، ويمنع إطلاقها في الشوارع أو المنازل أو أماكن التجمعات، مع عقوبات تصل إلى الحبس لمدة قد تصل إلى سنة. المسؤولية لا تقع على التجار فقط، بل تمتد إلى الأهالي أيضاً، إذ قد يُحاسبون قانونياً إذا تسبب أطفالهم بأضرار للآخرين نتيجة استخدام هذه الألعاب. كما تشمل العقوبات الحبس والغرامة لكل من يُضبط بحوزته أو في مستودعاته مفرقعات غير مرخصة.

إلى جانب الخطر الجسدي، يحذر المختصون من الأثر النفسي لهذه الأصوات على الأطفال الذين عاشوا سنوات الحرب، إذ تشبه أصوات المفرقعات الانفجارات والطلقات، مما يثير الخوف والذعر ويعيد الذكريات المؤلمة إلى الأذهان. الاختصاصي الاجتماعي هيثم أبو فخر أوضح أن العديد من الأطفال يعانون من اضطرابات القلق والخوف المفرط عند سماع هذه الأصوات، فهي ليست بريئة، بل تعمق الجراح النفسية وتزيد من معاناة المجتمع.

في دمشق، المدينة التي عانت خلال سنوات الحرب، لا يحتاج الأهالي إلى مزيد من مصادر القلق. المفرقعات ومسدسات الخرز، رغم أنها تبدو ألعاباً ترفيهية، تشكل تهديداً حقيقياً للسلامة العامة. ومع استمرار نداءات الأهالي لاتخاذ إجراءات عاجلة، يبقى السؤال: هل ستتمكن الجهات الرسمية من القضاء على هذه الظاهرة، أم ستظل المفرقعات “قنابل صغيرة” تسرق براءة الأطفال وأمانهم يوماً بعد يوم؟

- Advertisement -

- Advertisement -