لكل السوريين

قراءة في اتفاق وقف النار بين حماس وإسرائيل

أثار اتفاق وقف إطلاق النار في غزة موجة من الارتباك في تل أبيب، حيث تم الإعلان عنه من واشنطن قبل أن تعلن الحكومة الإسرائيلية موقفها الرسمي، مما يؤكد نجاح الضغوط الأميركية على نتنياهو.

ورحبت الأوساط الرسمية الإسرائيلية بالاتفاق بشكل متحفظ، بيمنا ساد في الأوساط السياسية والعسكرية شعور بالخيبة باعتبار أن الاتفاق أنهى الحرب دون تحقيق أهدافها المعلنة، واعتبرت هذه الأوساط أن تل أبيب خاضت أطول وأعنف حرب في غزة، لكنها خرجت منها أضعف سياسيا وأكثر عزلة على الصعيد الدولي.

وانقسم اليمين الصهيوني على نفسه بين مؤيد للاتفاق ومعارض له، في حين اندفع معارضو الائتلاف الحاكم إلى إعلان تأييدهم غير المشروط للاتفاق.

واعتبرًت الوزيرة أوريت ستروك من حزب الصهيونية الدينية، أن الاتفاق “يحمل في طياته عاراً عظيما.. عار على تطبيع إطلاق سراح الإرهابيين مقابل الرهائن.. عار مجرد ذكر الدولة الفلسطينية في الاتفاق”.

وبدا واضحا من طبيعة ردود الفعل السياسية أن معظم أطراف الحلبة السياسية الإسرائيلية ترى في الاتفاق لحظة تاريخية تؤسس لتوجه مغاير لما كان عليه الوضع قبله، بما يمكن أن يقود إليه من تغيير شامل في الرؤية السياسية الإسرائيلية.

مرحلة معقدة

يرى محللون أن تل أبيب تقترب من مرحلة معقدة في إدارتها لقطاع غزة، عنوانها “الضبط الإقليمي” وليس “الهيمنة العسكرية”، وهو ما يقيد حريتها العسكرية والسياسية، ويفرض عليها معادلة إقليمية جديدة تعيد رسم موازين القوى بعد عامين من الحرب.

ويتوقعون أن يطالب المجتمع الدولي بخطوات سياسية ملموسة نحو حل الدولتين، في حين يعاني الداخل الإسرائيلي من انقسام حاد وأزمة ثقة بالحكومة، كما يمكن أن تفجر العودة إلى العمليات العسكرية، مواجهة مع واشنطن وتعمق عزلة تل أبيب الدولية.

وأن تتجه الأمور في غزة نحو إدارة إقليمية، حيث تسعى الدول العربية إلى تقييد يد إسرائيل ومنعها من استئناف العمليات العسكرية.

وأن ما يسمى “الخط الأصفر” الذي رسمه ترامب في خريطته السياسية لغزة، يمثل آخر الحدود لقدرة تل أبيب على المناورة.

ويرى محللون أن إسرائيل لم تحقق نصراً حاسماً باستعادة المحتجزين، بل دخلت مرحلة تقييد استراتيجي ترسم فيها حدود حركتها من الخارج أكثر مما ترسم من داخل مؤسساتها الأمنية.

ويعتقدون أن اتفاق وقف إطلاق النار ليس نهاية الحرب، بل بداية نظام إقليمي جديد تواجه فيه إسرائيل اختبار الحفاظ على أمنها وردعها في معادلة لم تعد تملك السيطرة الكاملة عليها.

ماذا حققت حماس من طوفان الأقصى

وفق بعض المراقبين، خرجت حماس من الحرب أقوى سياسياً، بعدما نجحت في الصمود رغم الحصار والتدمير، ورسخت نفسها كقوة تمثل المقاومة الفلسطينية، خاصة أن الاتفاق لم يتضمن أي جدول زمني لنزع سلاحها، مما يعني أن الحركة احتفظت بمكانتها السياسية والعسكرية في القطاع، ونجحت في تأجيل أي استحقاق استراتيجي قد يضعف بنيتها.

ولكن حماس لم تحقق الأهداف التي أعلنتها من خلال عملية طوفان الأقصى، وفي مقدمتها فك الحصار عن قطاع غزة ووقف الاستيطان في الضفة الغربية، فالحصار بقي قائماً، وزادت القيود الإنسانية والاقتصادية قسوة، ووسعت إسرائيل مشاريع الاستيطان في الضفة الغربية.

كما لم تنجح في تعطيل اتفاقيات السلام بين إسرائيل ودول المنطقة، فقد أعلن الرئيس الأميركي أن مسار السلام سيستأنف من جديد على نطاق أوسع، ما يعني أن العملية لم توقف المشروع.

ولم تنجح في تعزيز موقعها السياسي والعسكري، وظهورها كقوة قادرة على فرض معادلات جديدة، حيث أدت الحرب إلى تراجع التأييد الشعبي لها داخل القطاع بعد أن أثقلت الحرب كاهل سكانه بالدمار والمعاناة، مما جعلها تخسر قدرتها على السيطرة الميدانية التي كانت تملكها قبل الحرب.

ماذا حققت إسرائيل من الحرب

رأى خبراء إسرائيليون أن تل أبيب خسرت المعركة الدولية، إذ واجهت تحولاً في الرأي العام العالمي، وتصاعدت الانتقادات الأوروبية، وتنامي التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين بشكل غير مسبوق.

وقال الباحث في تاريخ الشرق الأوسط من جامعة تل أبيب إيال زيسر إن “ما لم تستطع السلطة الفلسطينية تحقيقه في عشرين عاماً، نجحت فيه حماس خلال عامين من الحرب”، وأشار إلى أن الحديث عن حل الدولتين عاد بقوة إلى الأجندة الأميركية والدولية.

وكتبت صحيفة “يسرائيل هيوم” أن هذه التطورات تحد من قدرة إسرائيل على فرض تسوية أحادية الجانب أو استئناف الحرب، لأن أي تصعيد جديد سينظر إليه على أنه نسف لمسار سياسي محتمل نحو إقامة دولة فلسطينية، وأشارت إلى أن خطة ترامب تمثل خارطة طريق جديدة نحو هدف لم يعلن عنه صراحة، لكنه حاضر بين سطورها، وهو إقامة دولة فلسطينية.

وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن الاتفاقية الجديدة، تتميز عن اتفاقية أوسلو ليس بمضمونها السياسي فحسب، بل بأسلوب صياغتها، إذ جاءت كإملاء أميركي يفرض واقعا جديدا تحت شعار “السلام الاقتصادي” و”التطبيع الإقليمي”، مقابل الاتفاقية التي قامت على تفاوض مباشر بين الطرفين.

وحذرت هذه الوسائل من أن الموافقة على هذه الاتفاقية تخرج المبادرة السياسية من يد تل أبيب، وتجعل مصير التسوية مرتبطاً بإرادة الأطراف الدولية والعربية.

مخاوف من فشل الاتفاقية

أثارت الاتفاقية الجديدة تساؤلات متعددة حول مصداقية الضمانات الأميركية، وجدية إسرائيل في تنفيذ التزاماتها، ورغبة حماس في التخلي عن حكم قطاع غزة.

وطرح محللون أسئلة حول قدرة الوساطة على تجاوز العقبات التي أفشلت اتفاقات سابقة، في ظل عدم توقف الحرب الإسرائيلية على القطاع.

وأشار خبراء في الشؤون الإسرائيلية إلى أن إسرائيل تركز على المرحلة الأولى باعتبارها المرحلة الحاسمة، ولا تريد الدخول في مباحثات حول القضايا الجوهرية التي ستأتي بعدها، معتبرة أن تحقيق إطلاق سراح جميع الأسرى يمثل إنجازاً كبيراً لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية.

ومن جهتها، طالبت حركة حماس بضمانة أميركية بأن إسرائيل لن تعاود عدوانها على غزة بعد تسليم الأسرى، وينبغي أن تكون هذه الضمانة على لسان الرئيس الأميركي شخصيا.

وبضرورة انسحاب إسرائيل من كل المناطق المأهولة لتجميع الأسرى وتحضيرهم للإفراج عنهم، وأشارت إلى أن خريطة ترامب غير مقبولة لأنها تخرج مدينتين كاملتين من دائرة الانسحاب.

وكشفت صحيفة واشنطن بوست الأميركية عن أن موضوع تبادل الأسرى هو النقطة الوحيدة التي وافقت عليها حماس، إضافة إلى تسليم مقاليد الحكم في القطاع إلى لجنة من التكنوقراط.

- Advertisement -

- Advertisement -