حاوره/ مجد محمد
أشار ليث الهجوس إلى أن المستقبل يعتمد على وحدة الشعب السوري في المنطقة، وعلى تعزيز دور الشباب، وتوفير الفرص الاقتصادية والاجتماعية التي تساهم في بناء مجتمع آمن ومستدام.
تعد منطقة شمال وشرق سوريا واحدة من أكثر المناطق التي شهدت تحولات جذرية في السنوات الأخيرة، وسط تحديات أمنية ومعيشية وسياسية، وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي مرت بها المنطقة نتيجة الهجمات الإرهابية والتهديدات الأمنية المتواصلة، استطاعت الإدارة الذاتية أن تحافظ على الاستقرار النسبي وتحقق تقدماً في مجالات عدة، لكن لا يزال هناك العديد من التحديات التي تواجه المنطقة، أبرزها التصدي للتنظيمات الإرهابية التي تهدد أمن وسلامة السكان.
ففي خضم التحديات الأمنية والتهديدات التي تواجه شمال وشرق سوريا، تسعى الإدارة الذاتية بكل قوتها للحفاظ على الأمن والاستقرار، وتتصدى للتنظيمات الإرهابية التي تحاول زعزعة المنطقة، وبينما تبقى التحديات الأمنية قائمة، هناك أمل كبير في أن تستمر جهود التعاون المحلي والدولي لتعزيز السلام وحماية حقوق المواطنين.
وبهذا الخصوص عقدت صحيفتنا السوري حواراً مطولاً مع الأستاذ ليث الهجوس، العضو في مجلس مدينة الحسكة، ودار الحوار التالي:
بداية، كيف تقيمون الوضع الأمني في منطقة شمال وشرق سوريا في الوقت الراهن؟
الوضع الأمني في شمال وشرق سوريا يتسم بتحديات كبيرة، لكنه أيضاً يحمل العديد من النجاحات على صعيد الاستقرار. منذ اندلاع الأزمة السورية كانت المنطقة مستهدفة من قبل العديد من التنظيمات الإرهابية مثل داعش والنصرة وأيضاً خلايا نائمة من هذه الجماعات التي تسعى لزعزعة الاستقرار. على الرغم من هذه التهديدات، فقد تمكنت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بالتعاون مع التحالف الدولي من تحقيق انتصارات كبيرة على تنظيم داعش وتحجيم وجوده في المنطقة، ومع ذلك ما زال هناك بعض الجيوب للتنظيمات الإرهابية التي تحاول التسلل وتنفيذ هجمات إرهابية، لذلك نحن في الإدارة الذاتية نعمل جاهدين على تعزيز القدرات الأمنية لدينا من خلال بناء قوات أمنية محلية، مع ضمان أن يكون الأمن مرتبطاً بشكل وثيق بتوفير العدالة والحقوق للمواطنين.
ما هي أبرز التحديات الأمنية التي تواجه المنطقة في الوقت الراهن؟
أبرز التحديات الأمنية التي نواجهها في شمال وشرق سوريا تتمثل في عدة نقاط: أولاً لا تزال بعض المناطق تشهد محاولات لتنفيذ هجمات إرهابية من قبل خلايا تنظيم داعش الذي لا يزال يمتلك بعض الأنصار في المنطقة، وثانياً هناك تهديدات من قبل مجموعات مسلحة أخرى مدعومة من دول إقليمية تسعى لتقويض الاستقرار في المنطقة، وثالثاً الهجمات التركية على مناطقنا تؤثر بشكل مباشر على الأمن والاستقرار، حيث تتسبب هذه الهجمات في قتل المدنيين وتدمير البنية التحتية، وأخيراً لا يمكننا تجاهل مسألة اللاجئين والنازحين الذين يعيشون في مخيمات، تلك المخيمات قد تكون عرضة للتسلل من قبل عناصر إرهابية، ما يزيد من تعقيد الوضع الأمني.
كيف تعمل الإدارة الذاتية على تعزيز الأمن في هذه المنطقة؟
الإدارة الذاتية تتبنى استراتيجية متعددة الأبعاد لتعزيز الأمن. أولاً لدينا قوات أمن محلية مثل الأسايش التي تعمل على حفظ النظام ومكافحة الإرهاب داخل المدن والقرى، فتقوم الإدارة بتدريب هذه القوات بشكل مستمر على تقنيات جديدة في مكافحة الإرهاب وحفظ الأمن. ثانياً، هناك التعاون الوثيق مع التحالف الدولي في مجال الاستخبارات والأمن، حيث يتم تبادل المعلومات التي تساعد في تقليص التهديدات الإرهابية. ثالثاً نعمل على تأهيل المجتمع المدني وتعزيز الروابط الاجتماعية بين مكوناته المختلفة، من خلال إقامة حوارات مستمرة وتقديم برامج توعية بشأن التحديات الأمنية التي تواجه المنطقة. كما أن تطوير القطاع الاقتصادي في المنطقة يساهم في تعزيز الاستقرار من خلال توفير فرص العمل وتقليل تأثير الفقر الذي يعد بيئة خصبة لانتشار التطرف.
هل يمكن أن تشرح لنا دور قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مكافحة الإرهاب؟
قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تلعب دوراً محورياً في مكافحة الإرهاب في شمال وشرق سوريا. على الرغم من أن قسد تتكون من مكونات مختلفة من الشعب السوري، إلا أنها تعمل بشكل منسجم وفعال، ولديها قدرة عالية على استيعاب التحديات الأمنية. قسد تمكنت من القضاء على وجود تنظيم داعش في العديد من المناطق، بما في ذلك المعركة الشهيرة ضد داعش في الرقة ودير الزور. علاوة على ذلك، نحن نعمل على تعزيز قدراتنا الأمنية من خلال نشر دوريات ومراكز تفتيش على الطرق الرئيسية ومناطق النزاع، كما نقوم بإعادة تأهيل وتدريب المقاتلين وتزويدهم بالأدوات اللازمة للتعامل مع الأساليب التكتيكية الحديثة التي يستخدمها الإرهابيون.
كيف تؤثر الهجمات التركية على الأمن في شمال وشرق سوريا؟
الهجمات التركية على منطقتنا تمثل تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار في المنطقة. للأسف هذه الهجمات تستهدف بشكل رئيسي المدنيين والبنية التحتية، مما يفاقم من معاناة السكان في المناطق المستهدفة. كما أن هذه الهجمات تعرقل جهودنا في محاربة التنظيمات الإرهابية، حيث تشتت تركيز قواتنا الأمنية وتضعها في مواجهة تهديدات مزدوجة. ومن جانب آخر هذه الهجمات تسهم في زيادة أعداد النازحين، مما يضع ضغطاً إضافياً على المخيمات والموارد المحدودة في المنطقة. لذلك نناشد المجتمع الدولي للضغط على تركيا لوقف هذه الهجمات غير القانونية التي تؤثر على الأمن الإقليمي وتزيد من تعقيد الوضع الأمني في المنطقة.
ما هي الإجراءات التي تتخذها الإدارة الذاتية لحماية المدنيين من التنظيمات الإرهابية؟
حماية المدنيين من التنظيمات الإرهابية هي أولوية قصوى للإدارة الذاتية. أولاً نحن نعمل على تأمين المناطق المدنية من خلال نشر نقاط تفتيش في المواقع الحيوية والأماكن التي قد تشهد تهديدات محتملة. ثانياً نقوم بتوفير برامج توعية للمجتمع المدني حول كيفية التعامل مع التهديدات الإرهابية وكيفية التعاون مع القوى الأمنية في حال تم التعرض لهجوم. وثالثاً نسعى لتوفير بيئة آمنة للنساء والأطفال من خلال دعم المشاريع التي تركز على حماية حقوقهم وتوفير رعاية صحية واجتماعية. من خلال هذه الإجراءات، نهدف إلى تقليص تأثير الإرهاب على حياة المدنيين.
هل لدى الإدارة الذاتية استراتيجية لمكافحة الفكر المتطرف والتطرف العنيف في المنطقة؟
نعم، لدينا استراتيجية شاملة لمكافحة الفكر المتطرف والتطرف العنيف. هذه الاستراتيجية تتضمن عدة جوانب، منها العمل على نشر التوعية في المدارس والمجتمعات المحلية بشأن مخاطر الفكر المتطرف. لدينا برامج تعليمية تهدف إلى تعزيز قيم التسامح والتعايش السلمي بين مختلف المكونات الاجتماعية والدينية في المنطقة. كما أننا ندير مراكز لإعادة تأهيل المقاتلين الذين تم أسرهم أو الذين كانوا جزءاً من التنظيمات الإرهابية، حيث نعمل على تعديل أفكارهم وإعادة دمجهم في المجتمع بشكل سلمي. لدينا أيضاً شراكات مع منظمات حقوقية دولية لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للمتطرفين السابقين، وبالتالي تقليل إمكانية عودتهم إلى التطرف.
ما هي خطط الإدارة الذاتية لتحسين الوضع الاقتصادي في المنطقة ودعمه للأمن؟
تحسين الوضع الاقتصادي في شمال وشرق سوريا هو جزء لا يتجزأ من الاستراتيجية المتبعة لتعزيز الأمن. فالإدارة تعمل على تطوير البنية التحتية في المنطقة، بدءاً من توفير المياه والكهرباء إلى تحسين الطرق والمواصلات. من خلال خلق فرص عمل جديدة، نساهم في تقليل الفقر، والذي يعد أحد الأسباب الرئيسية لانتشار التطرف. كما نركز على دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تساهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. هذه المشاريع توفر فرصاً للشباب وتساعد في تعزيز اللحمة المجتمعية، مما يقلل من التأثيرات السلبية للتنظيمات الإرهابية.
هل من الممكن أن نرى تعزيزاً في التعاون الأمني مع بعض الدول المجاورة لمكافحة الإرهاب؟
نحن نرحب بأي تعاون أمني مع دول الجوار التي تشاركنا نفس الاهتمامات في مكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار في المنطقة. هناك بعض القنوات الأمنية التي تم فتحها بشكل غير رسمي بيننا وبين بعض الدول، حيث نناقش تهديدات الإرهاب المشترك. ومع ذلك نحن نعتقد أن الحلول الأمنية يجب أن تكون قائمة على التعاون الإقليمي الشامل، وأن يكون هناك استراتيجية موحدة لمكافحة التنظيمات الإرهابية. في الوقت ذاته نتطلع إلى المزيد من الدعم الدولي في هذا المجال، خصوصاً من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية وتقديم الدعم الفني.
كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يدعم جهود الإدارة الذاتية في مواجهة التهديدات الأمنية؟
المجتمع الدولي يلعب دوراً مهماً في دعم جهودنا، وهناك عدة مجالات يمكن من خلالها تقديم هذا الدعم. أولاً نحن نحتاج إلى الدعم في مجال التدريب والتجهيزات لقواتنا الأمنية، خاصة في مواجهة التهديدات المتطورة التي يستخدمها الإرهابيون. من الضروري أن نحصل على دعم فني في مجالات مثل الاستخبارات، مكافحة التجسس، وتكنولوجيا الأمن السيبراني. ثانياً يجب أن يركز المجتمع الدولي على دعم مشاريع التنمية المستدامة في المنطقة، بحيث لا يكون التركيز فقط على الجانب الأمني، بل أيضاً على تحسين الظروف المعيشية التي تساهم في تقليل الفقر والإقصاء الاجتماعي. وثالثاً من المهم أن يقدم المجتمع الدولي الدعم السياسي في مواجهة الهجمات التركية التي تقوض استقرار المنطقة، وكذلك في ضمان حماية حقوق الإنسان لجميع المكونات في المنطقة. وأخيراً يجب على المجتمع الدولي أن يضغط من أجل محاسبة الدول التي تدعم التنظيمات الإرهابية في المنطقة.
كيف يمكن للإدارة الذاتية أن توازن بين توفير الأمن والحفاظ على حقوق الإنسان في المنطقة؟
من أولوياتنا في الإدارة الذاتية أن نبني نظاماً أمنياً يحترم حقوق الإنسان ويضمن العدالة لجميع المواطنين دون تمييز. نحن نعمل على أن تكون جميع الإجراءات الأمنية متوافقة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. على سبيل المثال، عند تنفيذ حملات أمنية ضد الجماعات الإرهابية أو الخلايا النائمة، نحرص على أن تكون هذه العمليات دقيقة وتهدف إلى حماية المدنيين وليس انتهاك حقوقهم. كما أن لدينا محاكم خاصة تسعى إلى محاكمة المشتبه فيهم وفقاً للقانون وضمان حصولهم على محاكمة عادلة. وبالإضافة إلى ذلك، نعمل على خلق بيئة تشجع على الحوار والمصالحة بين جميع الأطياف المجتمعية، بما في ذلك المكونات الكردية والعربية والسريانية، لضمان التعايش السلمي والاستقرار بعيداً عن أي شكل من أشكال الظلم أو التمييز.
كيف تؤثر النزاعات الإقليمية والدولية على الأمن في المنطقة؟
النزاعات الإقليمية والدولية لها تأثيرات كبيرة على الأمن في شمال وشرق سوريا. هناك تدخلات خارجية من دول كتركيا التي تسعى بشكل مستمر لتقويض مشروع الإدارة الذاتية في المنطقة، وتلك الهجمات تعرقل استقرار المنطقة بشكل كبير. ومن جهة أخرى هناك العديد من القوى المتنافسة على الأرض، مثل الفصائل التابعة للحكومة السورية الانتقالية وضعف التنسيق فيما بينها وقراراتها الفردية والكيفية، ما يجعل الوضع أكثر تعقيداً. هذه التدخلات الأجنبية تؤدي إلى زعزعة التوازن الأمني وتوسيع نطاق التوترات. نحن نعمل على التعامل مع هذه التحديات من خلال تعزيز تحالفاتنا مع القوى التي تدعم أمن المنطقة واستقرارها، وفي نفس الوقت نسعى للحفاظ على استقلالية المنطقة وتفادي أن تكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
ما هو دور الشباب في تعزيز الأمن والاستقرار في شمال وشرق سوريا؟
الشباب يلعبون دوراً مهماً في تعزيز الأمن والاستقرار في شمال وشرق سوريا، فهم يمثلون أساس قوة المجتمع، والإدارة الذاتية تؤمن أن تمكين الشباب يعني تمكين المجتمع ككل. لذلك قامت بتطوير برامج لتدريب الشباب في مجالات الأمن، السياسة، والثقافة، بما يساهم في نشر الوعي وتعزيز حس المسؤولية. الشباب من خلال انخراطهم في القوات الأمنية المحلية، كالأسايش وقوات الدفاع الذاتي، يساهمون بشكل فعال في الحفاظ على الأمن في مناطقهم. كما أن لدينا العديد من المشاريع التي تهدف إلى إدماج الشباب في العملية السياسية والاجتماعية، وتشجيعهم على المشاركة في صنع القرار. الشباب هم من يتشكل منهم المستقبل، ولذلك فإن تمكينهم أمنياً واجتماعياً هو جزء لا يتجزأ من تعزيز الاستقرار في المنطقة.
كيف تنظر الإدارة الذاتية إلى المستقبل الأمني في شمال وشرق سوريا في ظل هذه التحديات؟
نرى أن المستقبل الأمني في شمال وشرق سوريا يعتمد بشكل كبير على القدرة على التكيف مع التحديات المتزايدة وتطوير استراتيجيات أمنية فعالة. سيكون التركيز على استدامة جهود مكافحة الإرهاب من خلال تحسين التنسيق الأمني المحلي والإقليمي، إضافة إلى تعزيز قدرة قواتنا على مواجهة التهديدات المختلفة. كما نعمل على زيادة الوعي لدى المجتمع المدني حول أهمية الأمن الجماعي والتعاون مع الجهات الأمنية. نعتقد أن هناك أيضاً دوراً مهماً لتطوير التعليم والتوعية المجتمعية لتقليص عوامل انعدام الأمن الناتجة عن الفقر أو الجهل. وفي النهاية لا يمكن أن يكون هناك استقرار حقيقي إلا من خلال بناء مجتمع قوي ومتماسك يحترم حقوق الإنسان ويسعى للعدالة.
ما هي الرسالة التي توجهها الإدارة الذاتية لشعب شمال وشرق سوريا بخصوص المستقبل الأمني؟
رسالة الإدارة لشعب شمال وشرق سوريا هي أننا في الإدارة الذاتية نعمل بكل جهد لتحقيق استقرار دائم وأمن شامل للجميع. نؤمن أن المنطقة بحاجة إلى تعاون وتكامل بين جميع المكونات، ونحن ملتزمون بحمايتها من أي تهديدات إرهابية أو إقليمية. المستقبل الأمني في المنطقة يتطلب منا جميعاً أن نكون يداً واحدة في مواجهة التحديات. نثق بأننا قادرون على بناء مجتمع آمن ومستقر، شرط أن نعمل معاً على تعزيز ثقافة السلام والتعاون وحماية حقوق الإنسان. المنطقة بحاجة إلى دعم الجميع، سواء من داخلها أو من المجتمع الدولي، لتحقيق الأمن والازدهار. كما أننا ندعو الجميع إلى المشاركة الفعالة في بناء هذا المستقبل، وتحقيق الاستقرار الذي يليق بجميع أبناء المنطقة.