في ظل الاضطرابات المتصاعدة التي تشهدها الممرات البحرية الاستراتيجية في الشرق الأوسط، تسعى سوريا إلى تقديم نفسها بوصفها أحد أبرز البدائل البرية لمضيق هرمز، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستثنائي والتحولات السياسية التي شهدتها البلاد بعد نهاية عام 2024.
ومع استمرار التوترات الإقليمية التي تهدد حركة الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب المخاطر الأمنية المتواصلة في البحر الأحمر، تطرح دمشق رؤية طموحة لتحويل البلاد إلى مركز إقليمي للنقل والطاقة والتجارة، يربط الخليج العربي وآسيا الوسطى بأوروبا عبر شبكة متكاملة من الطرق البرية وخطوط السكك الحديدية وأنابيب النفط والغاز.
ومنذ وصول الرئيس أحمد الشرع إلى السلطة، تبنت الحكومة السورية سياسة خارجية قائمة على مبدأ “صفر مشاكل”، بهدف إنهاء سنوات العزلة السياسية وإعادة دمج البلاد في محيطها الإقليمي والدولي. وقد انعكس هذا التوجه في تنامي الاهتمام الدولي والاستثمارات الموجهة إلى قطاعات الطاقة والنقل والموانئ والبنية التحتية، من خلال اتفاقيات بمليارات الدولارات أُبرمت خلال العامين الماضيين.
وتستند الرؤية السورية إلى قناعة مفادها أن الاعتماد الكبير على مضيق هرمز بات يمثل نقطة ضعف استراتيجية للاقتصاد العالمي. فالمضيق الذي يعبر من خلاله جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية يظل عرضة للتوترات العسكرية والسياسية، ما يدفع العديد من الدول إلى البحث عن مسارات بديلة أكثر استقراراً وأقل عرضة للمخاطر.
وفي هذا السياق، يروج الرئيس الشرع لسوريا باعتبارها جسراً بين الشرق والغرب، وليس مجرد دولة خارجة من سنوات الحرب. وخلال لقاءات ومؤتمرات دولية عدة، طرح رؤية تقوم على تحويل الأراضي السورية إلى شريان بري يربط الخليج وآسيا الوسطى بالبحر المتوسط والأسواق الأوروبية، بما يخفف من الاعتماد على الممرات البحرية المهددة.
ويُعد مشروع “البحار الأربعة” الركيزة الأساسية لهذه الاستراتيجية، إذ يهدف إلى ربط البحر المتوسط والبحر الأسود وبحر قزوين والخليج العربي عبر شبكة عابرة للحدود من البنى التحتية، تسمح بنقل البضائع والطاقة بين القارات بعيداً عن الممرات البحرية التقليدية.
كما عززت التطورات الإقليمية الأخيرة فرص تنفيذ هذه الرؤية، خاصة مع تحسن العلاقات الاقتصادية بين عدد من دول المنطقة وظهور توجهات جديدة لتطوير ممرات النقل البرية. وفي هذا الإطار، تعمل سوريا والأردن وتركيا على تطوير ممرات تجارية إقليمية تستند إلى الطرق السريعة وإحياء خط سكة حديد الحجاز، بما يربط موانئ البحر الأحمر والبحر المتوسط بالأسواق التركية والأوروبية.
بالتوازي مع ذلك، تبرز مشاريع طاقة كبرى قد تمنح سوريا دوراً محورياً في إعادة رسم خريطة تدفقات النفط والغاز، من بينها إعادة تأهيل خط كركوك – بانياس، وتطوير خط الغاز العربي، وإحياء مشاريع أنابيب تربط الخليج بتركيا وأوروبا عبر الأراضي السورية.
كما بدأت بعض الدول المنتجة للطاقة دراسة إمكانية استخدام الأراضي السورية ممراً بديلاً لصادراتها المتجهة إلى البحر المتوسط والأسواق الأوروبية، في ظل المخاوف المتزايدة من استمرار المخاطر الأمنية المرتبطة بمضيق هرمز.
ورغم الجاذبية الجيوسياسية لهذه الرؤية، فإن الطريق نحو تحقيقها لا يزال مليئاً بالتحديات. فقد تعرضت البنية التحتية السورية لدمار واسع خلال سنوات الحرب، فيما يواجه الاقتصاد السوري تحديات عميقة تتطلب استثمارات ضخمة لإعادة الإعمار وتأهيل شبكات النقل والطاقة.
كذلك يؤكد خبراء أن النقل البري، رغم أهميته، لا يمكنه أن يحل بالكامل محل النقل البحري، خصوصاً في ما يتعلق بالكميات الهائلة من النفط والغاز والبضائع التي تعبر مضيق هرمز سنوياً. لذلك لا يتعلق الأمر باستبدال المضيق، بل بإنشاء بدائل ومسارات إضافية تقلل الاعتماد عليه وتوفر خيارات أكثر مرونة خلال الأزمات.
ويبقى نجاح المشروع السوري مرتبطاً أيضاً بعوامل سياسية وأمنية معقدة، في مقدمتها استقرار الأوضاع الداخلية واستمرار التوترات الإقليمية والتدخلات الخارجية. كما تشكل الضربات الإسرائيلية المتكررة داخل الأراضي السورية تحدياً إضافياً قد يؤثر في بيئة الاستثمار ويثير تساؤلات حول قدرة البلاد على توفير الاستقرار اللازم لمشاريع استراتيجية طويلة الأمد.
ومع ذلك، تراهن دمشق على أن التحولات الجارية في المنطقة تمنحها فرصة تاريخية نادرة. فالعالم يبحث عن طرق جديدة لتأمين التجارة والطاقة، ودول الخليج تسعى إلى تقليص مخاطر الاعتماد على هرمز، فيما تعمل أوروبا على تنويع مصادر الإمدادات ومساراتها.
وإذا نجحت سوريا في استثمار هذه المتغيرات وتحويل موقعها الجغرافي إلى منصة إقليمية للنقل والطاقة، فقد تنتقل من كونها ساحة للصراعات إلى لاعب مؤثر في رسم خرائط التجارة والطاقة الجديدة. وعندها لن يكون الهدف استبدال مضيق هرمز بالكامل، بل بناء شبكة من البدائل تجعل الاقتصاد العالمي أقل عرضة للاهتزاز كلما تعرض أحد الممرات الاستراتيجية للأزمات.