لكل السوريين

الحرب التي لم تنتهِ داخل السوريين… أزمة نفسية صامتة تدفع المجتمع إلى حافة الانهيار

الاكتئاب والعزلة والفقر تتفاقم في ظل نقص الرعاية النفسية.. وخبراء يحذرون من اتساع دائرة المخاطر بين الشباب والنساء

السوري ـ خاص 

بعد أكثر من خمسة عشر عاماً من الحرب والأزمات المتلاحقة، لم تعد معاناة السوريين تقتصر على الدمار الذي أصاب المدن والبنية التحتية والاقتصاد، بل امتدت إلى جبهة أقل ظهوراً وأكثر خطورة: الصحة النفسية للمجتمع.

في بلد أنهكته سنوات طويلة من النزوح والفقدان والفقر وعدم الاستقرار، تتزايد التحذيرات من تدهور الصحة النفسية على نطاق واسع، وسط مؤشرات مقلقة تتحدث عنها منظمات إنسانية ومتخصصون وعاملون في القطاع الصحي، في وقت ما تزال فيه خدمات الدعم النفسي محدودة وغير قادرة على مواكبة حجم الاحتياجات المتزايدة.

ويجمع مختصون على أن المجتمع السوري يعيش واحدة من أعقد الأزمات النفسية في تاريخه الحديث، نتيجة تراكم الصدمات الفردية والجماعية التي خلفتها الحرب، وما تبعها من انهيار اقتصادي وضغوط معيشية متواصلة.

إرث ثقيل من الصدمات

لم يكن السوريون يخرجون من أزمة حتى يدخلوا أخرى. سنوات طويلة من القصف والنزوح وفقدان الأقارب والأصدقاء، ترافقت مع انهيار اقتصادي متسارع وغياب الاستقرار الاجتماعي، ما خلق بيئة مثقلة بالضغوط النفسية المستمرة.

ويؤكد أطباء نفسيون أن آثار الحروب لا تنتهي بمجرد توقف المعارك أو تراجع العمليات العسكرية، بل تستمر لسنوات طويلة داخل الأفراد والمجتمعات.

فأجيال كاملة نشأت وسط الخوف والحرمان وعدم اليقين، بينما عاش ملايين السوريين تجارب قاسية مرتبطة بالنزوح أو الاعتقال أو فقدان مصادر الرزق أو تشتت العائلات داخل البلاد وخارجها.

ويقول أخصائي نفسي يعمل مع منظمة إنسانية شمالي سورية إن كثيراً من المراجعين لا يعانون من مشكلة واحدة محددة، بل من تراكم طويل من الضغوط والصدمات التي لم تتح لهم فرصة معالجتها.

ويضيف أن الإرهاق النفسي المزمن أصبح سمة شائعة بين شرائح واسعة من المجتمع، خصوصاً في ظل غياب الشعور بالأمان والاستقرار المستقبلي.

الفقر… الوجه الآخر للأزمة النفسية

لا يمكن فهم التدهور النفسي الذي يعيشه السوريون بمعزل عن الانهيار الاقتصادي المستمر.

فارتفاع الأسعار وتراجع الدخل وانتشار البطالة دفعت ملايين الأسر إلى صراع يومي من أجل تأمين الاحتياجات الأساسية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الصحة النفسية للأفراد.

في مدن سورية عدة، بات الحديث عن الضغوط المعيشية جزءاً من الحياة اليومية. كثير من الشباب فقدوا الأمل في العثور على فرص عمل مستقرة، فيما تعيش أسر بأكملها تحت ضغط الديون وارتفاع تكاليف المعيشة.

ويرى باحثون اجتماعيون أن الشعور المستمر بالعجز الاقتصادي وعدم القدرة على تحسين الظروف المعيشية أصبح أحد أهم مصادر التوتر النفسي داخل المجتمع السوري.

ويشير هؤلاء إلى أن الضائقة الاقتصادية لم تعد مجرد مشكلة مالية، بل تحولت إلى عامل يؤثر في العلاقات الأسرية والاستقرار الاجتماعي والصحة النفسية بشكل عام.

الشباب… الجيل الأكثر هشاشة

تبدو فئة الشباب من أكثر الفئات تأثراً بالأزمة النفسية الحالية.

فبعد سنوات من الانقطاع التعليمي أو تراجع فرص العمل والهجرة المتزايدة، يواجه كثير من الشباب السوريين حالة من الغموض بشأن مستقبلهم.

ويرى مختصون أن الإحباط الناتج عن محدودية الفرص الاقتصادية والاجتماعية يدفع بعض الشباب إلى الشعور بالعزلة وفقدان الحافز، خاصة مع استمرار الأزمات دون أفق واضح للحل.

وفي الوقت الذي يفكر فيه كثير من الشباب بالهجرة باعتبارها مخرجاً من الواقع القائم، يجد آخرون أنفسهم عالقين بين طموحات يصعب تحقيقها وواقع اقتصادي لا يوفر الحد الأدنى من الاستقرار.

النساء تحت ضغوط مضاعفة

لا تقتصر تداعيات الأزمة النفسية على فئة بعينها، إلا أن النساء والفتيات يواجهن أعباء إضافية ناجمة عن ظروف اجتماعية واقتصادية معقدة.

ففي العديد من المناطق، تتداخل آثار الفقر والنزوح مع مشكلات أخرى مثل العنف الأسري والزواج المبكر والاعتماد الاقتصادي الكامل على الأسرة أو الزوج.

وتقول عاملات في مجال الدعم الاجتماعي إن النساء غالباً ما يتحملن أعباء نفسية مضاعفة نتيجة مسؤوليات الرعاية داخل الأسرة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

كما تواجه النساء في بعض البيئات تحديات إضافية تتعلق بصعوبة الوصول إلى خدمات الدعم النفسي أو طلب المساعدة بسبب القيود الاجتماعية والثقافية.

الوصمة الاجتماعية… العائق الأكبر

على الرغم من تنامي الحاجة إلى خدمات الصحة النفسية، ما تزال النظرة المجتمعية إلى الاضطرابات النفسية تشكل أحد أبرز العوائق أمام العلاج.

فكثير من الأسر تتردد في اللجوء إلى الأطباء أو الأخصائيين النفسيين، خوفاً من الوصمة الاجتماعية أو الأحكام المسبقة المرتبطة بمشكلات الصحة النفسية.

ويؤكد مختصون أن هذه النظرة تؤدي إلى تأخر طلب المساعدة، ما يفاقم المشكلات ويجعل التعامل معها أكثر صعوبة.

كما أن غياب النقاش المجتمعي المفتوح حول الصحة النفسية يساهم في استمرار سوء الفهم المرتبط بالاضطرابات النفسية وطرق علاجها.

نظام صحي منهك

تعاني سورية من نقص كبير في خدمات الرعاية النفسية نتيجة سنوات الحرب الطويلة.

فجزء كبير من الكوادر الطبية المتخصصة غادر البلاد خلال السنوات الماضية، فيما تضررت مؤسسات صحية عديدة أو خرجت عن الخدمة.

ورغم الجهود التي تبذلها بعض المنظمات المحلية والدولية لتوفير جلسات دعم نفسي وخدمات استشارية، إلا أن حجم الاحتياج يفوق بكثير الإمكانات المتاحة.

ويقول عاملون في المجال الصحي إن الطلب على خدمات الدعم النفسي ازداد بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، في حين ما تزال الموارد البشرية والمالية المتخصصة محدودة للغاية.

أزمة مجتمع لا أزمة أفراد

يحذر خبراء من أن التعامل مع تدهور الصحة النفسية بوصفه مشكلة فردية فقط يعد تبسيطاً مخلّاً بحجم الأزمة.

فما تشهده سوريا اليوم هو نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية وسياسية امتدت لسنوات طويلة، الأمر الذي يجعل أي معالجة حقيقية مرتبطة بتحسين الظروف المعيشية وتعزيز الاستقرار وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية.

كما يؤكد مختصون أن الاستثمار في خدمات الصحة النفسية يجب أن يتحول إلى أولوية وطنية، خصوصاً مع تزايد أعداد الأشخاص الذين يحتاجون إلى الدعم والرعاية.

معركة ما بعد الحرب

ربما توقفت أصوات المدافع في كثير من المناطق السورية، لكن آثار الحرب ما تزال حاضرة بقوة داخل حياة ملايين الأشخاص.

ففي الوقت الذي تنشغل فيه الحكومات والمنظمات بإعادة إعمار المباني والبنى التحتية، تبدو الحاجة ملحّة أيضاً لإعادة ترميم ما هو أقل ظهوراً وأكثر هشاشة: الإنسان نفسه.

واليوم، تقف سوريا أمام تحدٍ لا يقل خطورة عن تحديات الإعمار والاقتصاد، يتمثل في مواجهة أزمة نفسية واسعة النطاق تهدد النسيج الاجتماعي ومستقبل أجيال كاملة. إنها معركة صامتة تدور بعيداً عن الأضواء، لكنها قد تكون من أصعب المعارك التي خلفتها الحرب وأكثرها امتداداً في الزمن.

- Advertisement -

- Advertisement -