لكل السوريين

استقالة بيدرسون… هل وأدت مسار الانتقال السياسي في سوريا والقرار 2254؟

تأتي استقالة المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، غير بيدرسون، في وقت حرج يعيد طرح تساؤلات حول مستقبل المسار الأممي للانتقال السياسي والقرار الدولي 2254، الذي شكّل الإطار الأساسي للحل السياسي في سوريا منذ عام 2015.

فغياب المبعوث الذي قاد جهود تطبيق القرار وساهم في تأسيس اللجنة الدستورية السورية عام 2019 قد يمثل بداية مرحلة من التراجع في جهود التسوية السياسية، ويثير مخاوف جدية من إمكانية وأد العملية السياسية الأممية، خصوصاً في ظل تصاعد التدخلات الإقليمية والدولية وتطورات المشهد السوري على الأرض.

مرحلة دقيقة

تشهد العملية السياسية في سوريا مرحلة دقيقة، حيث نص القرار 2254 على إطلاق مفاوضات بين النظام السابق والمعارضة السورية، وتشكيل حكومة انتقالية، وصياغة دستور جديد، وإجراء انتخابات بإشراف الأمم المتحدة.

وقد مثل هذا القرار توافقاً دولياً نادراً حول سوريا، لكنه واجه منذ صدوره عراقيل كبيرة بسبب استمرار الأعمال القتالية، والانقسامات الإقليمية والدولية، وتباين مصالح الأطراف الداخلية، ورغم مرور سنوات لم يتم تنفيذ بنوده، وهو ما جعل استمرارية العملية السياسية على طاولة الأمم المتحدة مرهونة بشخصية المبعوث الأممي وقدرته على إدارة الملفات المعقدة.

في هذا السياق، أعلن المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، غير بيدرسون، يوم الخميس الماضي، استقالته بعد أكثر من ست سنوات من العمل المكثف لإيجاد حل سياسي شامل للصراع السوري.

وقد أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قبوله الاستقالة، معرباً عن تقديره للجهود الكبيرة التي بذلها بيدرسون خلال فترة ولايته، والتي شملت التنسيق مع الأطراف السورية والإقليمية والدولية لضمان استمرار المسار الأممي للانتقال السياسي.

وخلال كلمته أمام مجلس الأمن الدولي، أشار بيدرسون إلى طول فترة خدمته، وقال: “لطالما كنت أنوي الرحيل لأسباب شخصية بعد فترة طويلة من الخدمة. لقد أكدت تجربتي في سوريا حقيقة راسخة، وهي أن الظلام أحياناً يكون أشد ما يكون قبل بزوغ الفجر. لفترة طويلة، بدا التقدم مستحيلاً تماماً. حتى تحقق فجأة”.

وأضاف: “قلّةٌ من عانى معاناةً عميقةً كالسوريين، وقلّةٌ من أظهروا مثل هذا الصمود والعزيمة. اليوم، تشرق شمسُ سوريا والشعب السوري، وعلينا أن نضمن أن يصبح هذا اليوم مشرقاً. إنهم يستحقون ذلك بجدارة”.

ومع ذلك فإن التحديات الراهنة تتطلب مرونة دولية واستراتيجية واضحة لتفعيل القرار 2254، وإلا فإن الاستقالة قد تمثل بداية مرحلة من التراجع أو التخلي الفعلي عن المسار الأممي، ما قد يتيح للأطراف الإقليمية والدولية فرض ترتيبات ثنائية تتجاوز أهداف الحل السياسي الشامل وتعيد رسم المشهد السوري وفق مصالحها.

قرار بات طي النسيان

وفي تعليق له، قال محمد رمضان العبود، الناطق الرسمي باسم حزب الحداثة والديموقراطية لسوريا، إن استقالة بيدرسون جاءت بالتزامن مع محاولة اعتماد وثيقة خارطة طريق السويداء كوثيقة رسمية في مجلس الأمن والجمعية العامة، مشيراً إلى أن توقيع اتفاق بين إسرائيل والحكومة الانتقالية يعني عملياً أن القرار 2254 أصبح “قراراً طي النسيان”، بمباركة أميركية ودولية واضحة.

وأضاف العبود في تصريح لصحيفة “السوري”، أن هذا التطور يزيد من تعقيد المشهد السوري ويطرح تخوفات من صراع داخلي قد يعيد البلاد إلى نقطة الصفر ويدفع باتجاه انقسامها وتقسيمها إلى مناطق، بما يخدم مصالح القوى الإقليمية والدول الغربية على حساب الشعب السوري.

ويرى، أن تعيين مبعوث أممي جديد يمثل اختباراً حاسماً للمجتمع الدولي، إذ سيكون عليه مواجهة التدخلات الإقليمية وضمان التزام الأطراف السورية بالمسار السياسي، وتحقيق توافق داخلي يسمح بتنفيذ بنود القرار 2254، وأن أي تأخير أو غياب لرؤية واضحة قد يؤدي إلى مزيد من الانقسامات وإضعاف المرجعية الأممية في سوريا، ما يضعف فرص الحل السياسي ويزيد من احتمالات الصراع الداخلي واستمرار الانتهاكات ضد المدنيين.

ويشير الناطق باسم حزب الحداثة والديمقراطية لسوريا، أن استقالة بيدرسون قد تؤثر على مسار الانتقال السياسي في سوريا، والذي يمثل الركيزة الأساسية لتفعيل بنود القرار 2254، بما في ذلك صياغة دستور جديد، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وضمان مشاركة جميع مكونات الشعب السوري، مشيراً ألى أن ذلك قد يؤدي غياب قيادة أممية حازمة إلى تعطيل الاجتماعات والمفاوضات الداخلية، وإعطاء الفرصة للأطراف الإقليمية والدولية لفرض أجنداتها الخاصة بعيداً عن المسار الأممي.

بينما يودّع بيدرسون منصبه، تظل الأنظار متجهة نحو المستقبل السياسي في سوريا، وسط تساؤلات حول قدرة أي مبعوث جديد على إعادة ترتيب البيت السوري المتصدع وتحقيق ما نص عليه القرار 2254 من انتقال سياسي حقيقي، وتأمين مشاركة شاملة لجميع السوريين في صناعة مستقبلهم.

وتبقى استقالة بيدرسون بمثابة إنذار مبكر للمجتمع الدولي: إما تفعيل المسار الأممي بأقصى سرعة، أو تقبّل تحولات جديدة قد تعصف بالقرار الدولي الذي طالما شكّل المرجعية الوحيدة للحل السياسي في سوريا سلمياً.

مضمون القرار 2254

في الثامن عشر من كانون الأول عام 2015 أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2254، وهو مشروع قرار أميركي اعتمد بيان جنيف الصادر عام 2012 وبيانات فيينا لعام 2015، بهدف وضع إطار سياسي شامل لإنهاء الحرب السورية التي اندلعت عام 2011، وقد مثّل القرار آنذاك توافقاً دولياً نادراً حول سوريا، وصوّت عليه الأعضاء الـ15 في المجلس بالإجماع.

ونص القرار على إطلاق مفاوضات سلام بين الأطراف السورية في كانون الثاني 2016، مؤكداً أن الشعب السوري هو الجهة المخوّلة بتحديد مستقبل البلاد، وداعياً إلى تشكيل حكومة انتقالية، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة بإشراف أممي، ووقف الهجمات على المدنيين فوراً.

واستند القرار إلى بيان جنيف لعام 2012 كأساس للعملية السياسية للانتقال، كما دعم بيانات فيينا لعام 2015 التي شددت على الحل السلمي للأزمة، وكلّف الأمين العام للأمم المتحدة بدعوة ممثلي النظام والمعارضة السورية لبدء مفاوضات مباشرة مطلع 2016 بهدف التوصل إلى تسوية سياسية دائمة.

ودعا القرار إلى وقف فوري للأعمال القتالية في سوريا، مع استثناء العمليات العسكرية ضد التنظيمات المصنفة إرهابية مثل “داعش” وجماعات أخرى مدرجة في لوائح مجلس الأمن.

كما أكد أن العملية السياسية يجب أن تكون بقيادة سورية وبرعاية أممية، داعياً إلى مفاوضات مباشرة بين النظام السابق والمعارضة، وحدّد فترة ستة أشهر لتشكيل حكومة انتقالية ذات مصداقية وغير طائفية، وفترة ثمانية عشر شهراً لإجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة.

وطالب القرار بصياغة دستور جديد لسوريا كجزء أساسي من عملية الانتقال السياسي لضمان توافق الأطراف على القواعد القانونية الجديدة للدولة، وشدد على أهمية إيصال المساعدات الإنسانية إلى جميع المناطق دون قيود، وتأمين عودة آمنة للنازحين واللاجئين، والإفراج عن المحتجزين والمختطفين والكشف عن مصير المفقودين والتأكيد على أهمية تكثيف الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب في سوريا، داعياً الأطراف السورية والدول الإقليمية إلى التعاون الكامل في هذا المجال.

- Advertisement -

- Advertisement -