منطقة “آمنة” أم احتلال دائم؟ ست سنوات تكشف حقيقة المشروع التركي في شمال سوريا
تلك العملية التي رُوّج لها على أنها تهدف إلى إنشاء “منطقة آمنة” سرعان ما اتضح أنها كانت غطاءً لاحتلال طويل الأمد، غيّر وجه المنطقة ديموغرافياً وثقافياً، وترك خلفه جرحاً مفتوحاً في الذاكرة السورية لا يزال ينزف حتى اليوم.
الرقة/ حسن الشيخ
تمرّ الذكرى السادسة للعملية العسكرية التركية المسماة “نبع السلام”، التي شنّتها أنقرة في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر عام 2019 ضد مدينتي تل أبيض (كري سبي) ورأس العين (سري كانيه) في شمال وشرق سوريا.
تلك العملية التي رُوّج لها على أنها تهدف إلى إنشاء “منطقة آمنة” سرعان ما اتضح أنها كانت غطاءً لاحتلال طويل الأمد، غيّر وجه المنطقة ديموغرافياً وثقافياً، وترك خلفه جرحاً مفتوحاً في الذاكرة السورية لا يزال ينزف حتى اليوم.
منذ اللحظة الأولى، لم يكن الحديث التركي عن “الأمن القومي” سوى واجهة لمشروع سياسي أوسع، فأنقرة كانت تسعى إلى ضرب تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية التي مثّلت نموذجاً فريداً في الحكم المحلي والتعددية والتعايش بين المكونات الكردية والعربية والمسيحية والتركمانية.
كانت تل أبيض ورأس العين رمزاً لهذا التنوع، ومدينتين نابضتين بالحياة والاستقرار النسبي، قبل أن تتحولا إلى ساحة صراع واحتلال.
مخطط جغرافي
ما حدث في تشرين الأول 2019 لم يكن مجرد عملية عسكرية محدودة، بل كان بداية لمخطط جغرافي وسياسي متكامل هدفه إنشاء شريط نفوذ تركي يمتد من عفرين غرباً إلى جرابلس وتل أبيض ورأس العين شرقاً، لفرض أمر واقع جديد يعيد رسم الحدود ويمنح أنقرة موقعاً دائماً في الداخل السوري.
الحملة العسكرية رافقها قصف عنيف استهدف الأحياء السكنية والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء، ما أدى إلى مقتل عشرات المدنيين، بينهم نساء وأطفال، وفتح الباب أمام موجات نزوح غير مسبوقة.
خلال أسابيع قليلة، فرّ أكثر من 300 ألف مدني نحو الحسكة وتل تمر وعين عيسى، في واحدة من أكبر عمليات التهجير القسري منذ عام 2011، ومع غياب الموقف الدولي الفاعل، اكتفت القوى الكبرى ببيانات “القلق العميق”، تاركة المدنيين لمصيرهم.
الصمت الدولي آنذاك بدا كضوء أخضر لأنقرة لتنفيذ مخططها، فبينما كانت الدول تتحدث عن “ضبط النفس”، كانت القوات التركية والفصائل الموالية لها تقتحم القرى والبلدات، وتفرض واقعاً جديداً يقوم على الإخضاع والنهب والاستيلاء.
تم نهب المنازل والمحلات التجارية، ومصادرة الأراضي الزراعية، في حين جرى توطين عائلات مقاتلين قدموا من الغوطة وريف حمص وإدلب مكان السكان الأصليين الذين طُردوا من منازلهم.
وأد الحياة
قبل عام 2019، كانت شوارع تل أبيض ورأس العين تعج بالحياة، والمدارس تستقبل طلاباً من مختلف الانتماءات، والأسواق تكتظ بالحركة. اليوم، تحكمها فصائل متعددة الولاءات تتنازع النفوذ والمكاسب، بينما ترفرف الأعلام التركية على المؤسسات العامة وتُفرض اللغة التركية في المدارس، في مشهد يعكس محاولة محو الهوية السورية للمنطقة وإلحاقها إدارياً وثقافياً بتركيا.
في المخيمات المنتشرة قرب تل تمر والشدادي، يعيش آلاف النازحين ممن اقتلعهم الاحتلال من بيوتهم، كثير من الأطفال وُلدوا بعد عام 2019 ولا يعرفون مدينتهم إلا من خلال صور قديمة يحتفظ بها آباؤهم. تقول “جيهان خليل”، وهي نازحة من تل أبيض: “ابنتي تسألني دائماً أين بيتنا. أريها صوراً على الهاتف، لكنها لا تفهم لماذا لا نستطيع العودة”.
هذا الجيل ينشأ في بيئة قاسية، بلا تعليم كافٍ ولا رعاية صحية، ما يهدد بفقدان ارتباطه بمدينته وهويته، ويخلق مأساة اجتماعية تمتد لسنوات قادمة.
المنظمات الحقوقية الدولية، مثل “العفو الدولية” و“هيومن رايتس ووتش”، وثّقت عمليات نهب ممنهجة واستيلاء على الممتلكات، إلى جانب تهجير واسع النطاق للسكان الكرد، وتوطين عائلات موالية لتركيا مكانهم. وأشارت التقارير إلى فرض مناهج تعليمية تركية، وتعليق الأعلام التركية على الدوائر الرسمية، وتغيير أسماء الشوارع والمدارس، في إطار سياسة تهدف إلى طمس الهوية المحلية وخلق جيل مرتبط بتركيا سياسياً واقتصادياً وثقافياً.
انتهاكات مستمرة
الانتهاكات اليومية لا تزال مستمرة اعتقالات تعسفية، اغتيالات، ابتزاز مالي، مصادرة للأراضي والممتلكات، في ظل غياب أي جهة قضائية مستقلة أو رقابة دولية، يصف أحد الناشطين الوضع هناك بأنه “احتلال مزدوج”؛ سلطة تركية من الأعلى، وميليشيات داخلية تتحكم بحياة الناس من الأسفل.
ورغم مرور ست سنوات، لم ينجح أحد في إعادة المهجرين إلى منازلهم. المخيمات المؤقتة تحوّلت إلى مساكن دائمة، بينما تستمر تركيا في فرض واقع جديد على الأرض. في المقابل، يصرّ الأهالي على إبقاء مدنهم حية في الذاكرة، من خلال الفعاليات الرمزية التي تُنظم في المخيمات والمنافي، للتأكيد على حق العودة وعدم الاستسلام للنسيان.
يقول المهجّر مصطفى حمي من رأس العين، “نكتب أسماء شوارع سري كانيه على خيامنا كي لا تُمحى من الذاكرة. مدينتنا ليست خريطة تُمحى بخط قلم، بل تاريخ نعيشه كل يوم”.
ست سنوات مضت، لكن مأساة تل أبيض ورأس العين لم تنتهِ بعد، فالمدينتان لا تزالان شاهداً على جريمة تهجير قسري وتغيير ديموغرافي ممنهج، وعلى عجز المجتمع الدولي عن حماية المدنيين وحقوقهم.
ومع استمرار الاحتلال، تتعمق الأزمة الإنسانية والسياسية في شمال سوريا، بينما يظل الأمل قائماً في نفوس المهجرين الذين يتمسكون بحقهم في العودة إلى مدنهم، وإعادة بنائها كما كانت: موطناً للتنوع والتعايش والكرامة الإنسانية.
الذكرى السادسة لـ“نبع السلام” ليست مجرد محطة لاستذكار مأساة، بل تذكير بأن العدالة لا تسقط بالتقادم، وأن الشعوب التي تُقتلع من جذورها لا تموت، بل تُعيد غرس نفسها في الذاكرة، وفي الأرض التي تنتظر أبناءها يوماً ليعودوا إليها.