دير الزور تواجه شبح “داعش” مجدداً… استنفار شكلي ومخاوف من خلايا متغلغلة
مخاوف شعبية من تسلل عناصر متشددة إلى مؤسسات الدولة وسط دعوات لتعزيز التنسيق الأمني واستكمال الحرب على خلايا التنظيم
السوري ـ دير الزور
تشهد محافظة دير الزور، شرقي سوريا، تصاعداً في التوتر الأمني خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المخاوف الشعبية من محاولات تنظيم “داعش” إعادة تنشيط خلاياه واستغلال المرحلة الانتقالية التي تمر بها المنطقة، عبر الاستفادة من الثغرات الأمنية والتحولات العسكرية والإدارية الجارية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه الحكومة السورية جهودها لإعادة فرض الاستقرار وتعزيز حضور المؤسسات الأمنية والعسكرية في مناطق الشرق السوري، وسط تحديات معقدة ترتبط بالإرث الأمني الذي خلفه التنظيم خلال سنوات سيطرته على أجزاء واسعة من المحافظة.
وبحسب شهادات محلية ومعلومات متداولة بين الأهالي، تتزايد التحذيرات من وجود أشخاص سبق لهم الارتباط بتنظيم “داعش”، قبل أن يظهروا لاحقاً ضمن تشكيلات أو مجموعات محلية مرتبطة بمؤسسات الدولة أو القوى العسكرية العاملة في المنطقة، الأمر الذي أثار حالة من القلق الشعبي، خاصة مع تكرار الهجمات المحدودة التي استهدفت نقاطاً أمنية وحواجز في ريف دير الزور الشرقي.
هجمات متفرقة واستنفار أمني
وخلال الأشهر الماضية، شهدت مناطق متفرقة من ريف دير الزور حوادث أمنية متكررة، تضمنت استهداف حواجز ونقاط عسكرية بهجمات خاطفة، في نمط يعيد إلى الأذهان الأساليب التي اعتمدها تنظيم “داعش” سابقاً في إدارة عملياته عبر الخلايا النائمة والتحركات السرية.
وأدت تلك التطورات إلى رفع حالة الجاهزية الأمنية، حيث كثفت القوات الحكومية انتشارها في عدد من المناطق، إلى جانب تعزيز إجراءات التفتيش والتدقيق على الحواجز الرئيسية والطرق الحيوية، في إطار مساعٍ تهدف إلى ملاحقة العناصر المتورطة ومنع أي محاولات لإعادة زعزعة الاستقرار.
ويؤكد سكان محليون أن وتيرة الاستنفار الأمني ارتفعت بشكل ملحوظ عقب كل حادثة، وسط مخاوف من أن تكون بعض الهجمات ناتجة عن تعاون داخلي أو تسريب معلومات ميدانية دقيقة تتعلق بتحركات القوات ونقاط تمركزها.
ويقول أحد سكان ريف الميادين:
“الأهالي يشعرون بالقلق لأن بعض الأسماء التي يجري الحديث عنها كانت معروفة سابقاً بقربها من التنظيم، واليوم يُقال إنها تتحرك ضمن مجموعات مرتبطة بالجهات الرسمية.”
فيما يشير أحد أبناء قرية الحوايج إلى أن السكان باتوا يخشون من عودة مشاهد الفوضى الأمنية التي شهدتها المنطقة في سنوات سابقة، مضيفاً:
“بعد كل هجوم نشهد انتشاراً واسعاً للحواجز وتفتيشاً مكثفاً، لكن الناس تخشى من وجود خلايا أو متعاونين داخل المنطقة نفسها.”
الحكومة السورية أمام اختبار أمني معقد
ويرى مراقبون أن الحكومة السورية تواجه تحدياً أمنياً حساساً في دير الزور، يتمثل في ضرورة الموازنة بين إعادة دمج بعض العناصر المحلية ضمن المؤسسات الرسمية، وبين ضمان عدم تسلل شخصيات متشددة أو مرتبطة سابقاً بالتنظيم إلى البنية الأمنية والعسكرية.
ويشير مختصون بالشأن السوري إلى أن طبيعة دير الزور الجغرافية والعشائرية تجعل الملف الأمني أكثر تعقيداً، خاصة أن المحافظة كانت لسنوات إحدى أبرز معاقل تنظيم “داعش”، الذي تمكن خلال فترة سيطرته من بناء شبكات محلية وخلايا سرية ما تزال بعض آثارها حاضرة حتى اليوم.
كما أن التحولات المتسارعة التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، وانتقال السيطرة بين أكثر من جهة عسكرية، أوجدت واقعاً أمنياً هشاً يحتاج إلى عمليات تدقيق ومتابعة مستمرة لمنع أي اختراقات محتملة.
دور محوري لقوات سوريا الديمقراطية في مواجهة الإرهاب
وفي خضم هذه التحديات، يشدد متابعون على أن النجاحات التي تحققت في مواجهة تنظيم “داعش” خلال السنوات الماضية ارتبطت بشكل كبير بالدور الذي لعبته قوات سوريا الديمقراطية في محاربة التنظيم، بدعم من التحالف الدولي، حيث تمكنت من إنهاء سيطرة “داعش” العسكرية على مناطق واسعة في شرق سوريا، وصولاً إلى إسقاط آخر معاقله في الباغوز عام 2019.
ويرى محللون أن العمليات الأمنية المستمرة التي تنفذها “قسد” ضد خلايا التنظيم، خصوصاً في مناطق البادية والأرياف الشرقية، أسهمت بشكل مباشر في الحد من قدرة التنظيم على إعادة تنظيم صفوفه أو استعادة نفوذه السابق.
كما يشير مراقبون إلى أن التنسيق الأمني وتبادل المعلومات بين مختلف القوى الفاعلة في المنطقة يبقى عاملاً أساسياً لمنع عودة التنظيم، خاصة في ظل استمرار نشاط الخلايا النائمة ومحاولاتها استغلال أي فراغ أمني أو اضطراب محلي.
مخاوف من عودة الاغتيالات والخلايا النائمة
ويؤكد أهالي دير الزور أن القلق الشعبي يتزايد يوماً بعد يوم مع استمرار الحديث عن تحركات مشبوهة وخلايا نائمة، في وقت لا تزال فيه الذاكرة الجماعية للسكان تحتفظ بسنوات العنف والاغتيالات التي عاشتها المحافظة خلال فترة سيطرة التنظيم.
ويقول أحد أبناء الريف الشرقي:
“الناس تخشى من عودة مسلسل الاغتيالات والهجمات، خصوصاً مع كثرة الشائعات حول تحركات عناصر سابقين في التنظيم.”
وتنعكس هذه المخاوف بشكل مباشر على الحياة اليومية للسكان، مع ازدياد الحذر أثناء التنقل، وتراجع الحركة التجارية في بعض المناطق، إضافة إلى القلق المتنامي من احتمال توسع دائرة التوتر الأمني خلال المرحلة المقبلة.
معركة لم تنتهِ بعد
ورغم الضربات التي تعرض لها تنظيم “داعش” خلال السنوات الماضية، إلا أن التطورات الأخيرة في دير الزور تؤكد وفق مراقبين أن خطر التنظيم لم ينتهِ بشكل كامل، وأن الحرب ضد خلاياه ما تزال مستمرة، سواء عبر المواجهات العسكرية المباشرة أو من خلال التصدي لمحاولات التغلغل داخل المجتمعات المحلية والمؤسسات الأمنية.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو دير الزور أمام مرحلة دقيقة تتطلب تعزيز الاستقرار، وتكثيف الجهود الأمنية، ومواصلة التنسيق بين مختلف القوى المعنية بمحاربة الإرهاب، لمنع أي محاولات قد تعيد المحافظة إلى دوامة العنف التي دفعت ثمناً باهظاً للخروج منها.