مع حلول موسم الصيف، تعود ربات المنازل في مختلف المحافظات السورية إلى عادة سنوية ارتبطت بذاكرة البيوت لعقود طويلة، وهي إعداد “المؤونة الشتوية”. إلا أن هذه العادة التي كانت يوماً جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، لم تعد كما كانت في السابق، بعدما فرضت الظروف الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة واقعاً جديداً دفع كثيراً من الأسر إلى تقليص الكميات أو الاستغناء عن بعض الأصناف بالكامل.
وتشهد الأسواق السورية خلال موسم الخضروات إقبالاً على شراء البندورة والفليفلة والباذنجان والملوخية والمشمش والتين وغيرها من المنتجات التي تدخل في إعداد رب البندورة والمكدوس والمربيات والمخللات والمجففات. غير أن هذا الإقبال بات محدوداً مقارنة بالسنوات الماضية، في ظل الارتفاع المستمر لأسعار المواد الأساسية التي تحتاجها المؤونة، وفي مقدمتها زيت الزيتون والجوز والزيوت النباتية والعبوات المخصصة للحفظ.
عادة متوارثة تصطدم بالواقع المعيشي
لم تكن المؤونة بالنسبة للعائلة السورية مجرد وسيلة لتخزين الطعام، بل كانت ثقافة اجتماعية متوارثة تشارك فيها الأسرة بأكملها. ففي الريف والمدينة كانت النساء يجتمعن لإعداد المكدوس وتجفيف الملوخية والكوسا والبامية وتحضير المربيات ورب البندورة، استعداداً لفصل الشتاء.
اليوم، تغير المشهد بصورة واضحة. فالكثير من الأسر باتت تكتفي بإعداد كميات محدودة تكفي لأسابيع قليلة، بعدما كانت تحضر احتياجات موسم كامل، بينما فضلت عائلات أخرى شراء احتياجاتها تدريجياً من الأسواق كلما دعت الحاجة، تجنباً لتحمل تكاليف كبيرة دفعة واحدة.
أسعار المواد الأساسية تعيد ترتيب الأولويات
يؤكد باعة في أسواق حمص وحماة وطرطوس ودمشق أن الطلب على مستلزمات المؤونة تراجع مقارنة بالأعوام السابقة، رغم توافر معظم المنتجات الزراعية في موسمها.
ويعزو التجار ذلك إلى ارتفاع أسعار المكونات الأساسية، ولا سيما زيت الزيتون والجوز، إضافة إلى تكاليف النقل والتعبئة، ما جعل إعداد بعض الأصناف التقليدية، وعلى رأسها المكدوس، عبئاً مالياً لا تستطيع كثير من الأسر تحمله.
وتقول ربة منزل من مدينة حمص إن عائلتها كانت تحرص كل عام على تجهيز كميات كبيرة من المكدوس والمربيات ورب البندورة، إلا أن الظروف المعيشية دفعتها هذا الموسم إلى تقليص الكميات إلى الحد الأدنى، والاكتفاء بالأصناف الأكثر ضرورة، مضيفة أن الأولوية أصبحت لتأمين الاحتياجات اليومية قبل التفكير في تخزين الطعام لفصل الشتاء.
الكهرباء… عامل لا يزال يؤثر في المؤونة
ورغم التحسن النسبي الذي شهدته التغذية الكهربائية في بعض المحافظات مقارنة بالسنوات الماضية، فإن هذا التحسن لا يشمل جميع المناطق، إذ لا تزال ساعات الانقطاع الطويلة تؤثر في قدرة كثير من الأسر على حفظ المواد الغذائية داخل البرادات والمجمدات.
ودفع ذلك عدداً من العائلات إلى العودة لطرق الحفظ التقليدية، مثل التجفيف تحت أشعة الشمس أو إعداد المخللات والمجففات التي لا تحتاج إلى التبريد، في محاولة لتقليل احتمالات تلف المواد الغذائية وتجنب استهلاك الكهرباء.
من “المونة الكبيرة” إلى الكميات الضرورية
قبل سنوات، كانت الأسر السورية تتفنن في إعداد عشرات الأصناف، بدءاً من الكشك والمكدوس ورب البندورة، مروراً بالمربيات والمخللات، وصولاً إلى تجفيف الخضروات المختلفة.
أما اليوم، فقد تقلصت قائمة المؤونة لدى كثير من العائلات، لتقتصر غالباً على رب البندورة والملوخية المجففة وبعض المخللات أو المربيات المنزلية، فيما تخلت أسر كثيرة عن أصناف تحتاج إلى مكونات مرتفعة الثمن.
ويرى مختصون في الشأن الاجتماعي أن هذا التحول يعكس تغيراً في أولويات الإنفاق لدى الأسرة السورية، التي أصبحت توجه الجزء الأكبر من دخلها نحو الاحتياجات الأساسية، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.
المؤونة بين التراث والقدرة الشرائية
ورغم تراجع الكميات، لا تزال المؤونة تحافظ على حضورها في كثير من البيوت السورية، باعتبارها جزءاً من الهوية الغذائية والتراث الشعبي، إلى جانب كونها وسيلة لتأمين احتياجات الأسرة خلال أشهر الشتاء.
وتؤكد سيدات أن إعداد المؤونة لم يعد يرتبط فقط بتوفير الطعام، بل يمثل مناسبة عائلية تعيد إحياء عادات قديمة توارثتها الأجيال، حتى وإن أصبحت تُمارس اليوم بكميات أقل وبإمكانات محدودة.
إرث يصمد رغم التحديات
ويرى مراقبون أن استمرار عادة المؤونة، ولو بصورة مختلفة، يعكس قدرة المجتمع السوري على التكيف مع التحولات الاقتصادية المتلاحقة. فبينما فرض الغلاء وتقلب الأسعار واقعاً جديداً على الأسر، بقيت المؤونة رمزاً للاستعداد للمستقبل ووسيلة للحفاظ على جزء من التراث الغذائي الذي اشتهرت به البيوت السورية.
وبين ماضٍ كانت فيه المؤونة موسماً عاماً يشارك فيه الجميع، وحاضرٍ تحكمه القدرة الشرائية وتكاليف المعيشة، تبقى موائد الشتاء شاهدة على عادة لم تختفِ، لكنها أعادت تشكيل نفسها بما يتناسب مع ظروف السوريين اليوم.