تقرير/ اـ ن
تشهد أسواق محافظتي اللاذقية وطرطوس موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية، حيث ازدادت معاناة المواطنين بشكل ملحوظ خلال الأيام الأخيرة. وتعود هذه الارتفاعات إلى عدة عوامل متشابكة، أبرزها تذبذب سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الليرة السورية، وعدم التزام السوق بالسعر المركزي، ما دفع التجار إلى تسعير المواد وفق السعر الأعلى كإجراء احترازي.
وأدى هذا الوضع إلى تحكم التجار في الأسعار وغياب أي رقابة فعلية، خاصة مع اعتماد سياسة السوق الحر منذ بداية تحرير السوق، والتي كان من المفترض أن تخلق منافسة تخفض الأسعار، لكنها سرعان ما تحولت إلى حالة من الفوضى العشوائية، حيث أصبح كل تاجر يحدد سعر المادة وفق رؤيته الخاصة، ما أوجد فروقات كبيرة بين أسعار الجملة والمفرق، تصل أحياناً إلى الضعف.
ويشير متابعون إلى وجود مجموعات على تطبيقات التواصل الاجتماعي تضم التجار والمنتجين وبائعي الجملة والمفرق، تعمل على تبادل التنبيهات فور ارتفاع سعر الدولار ورفع أسعار المواد الغذائية، بينما يحافظ التجار على الأسعار المرتفعة حتى في حال انخفاض الدولار، ما يعمّق من أزمة الأسعار ويضع المستهلك في مواجهة يومية مع ارتفاعات غير مبررة.
ويضاف إلى ذلك عامل الموسم، حيث يؤدي بداية موسم الشتاء والمدارس وكثرة الطلب على المواد الغذائية إلى زيادة الأسعار، إضافة إلى القيود على استيراد الخضار والفواكه وارتفاع تكاليف النقل نتيجة زيادة أسعار المحروقات، ما يفاقم الضغوط على المواطنين.
وتعتبر الرقابة التموينية أحد العوامل الأساسية لمعالجة هذه الفوضى، لكنها تواجه تحديات كبيرة من حيث عدد المراقبين وعدم كفاية الآليات، إضافة إلى الاعتماد على كوادر قديمة غير مؤهلة بالكامل. ويؤكد خبراء اقتصاديون أن الرقابة لا تهدف إلى تحديد السعر، بل تنظيم هامش الأرباح بما يتراوح عادة بين 25 و50٪، ومنع الأرباح الفاحشة التي تصل أحياناً إلى مئة بالمئة في بعض المحال. ومن هنا تأتي أهمية تأهيل كوادر جديدة للرقابة التموينية، ووضع آليات واضحة لتحديد هوامش الربح وتجنب التسعير العشوائي، بما يضمن حقوق المستهلكين ويحد من الممارسات الاحتكارية.
ويرى مختصون أن الحل الأمثل يكمن في التعاون بين الحكومة والمجتمع الأهلي والتجار والموردين، بحيث تشارك الحكومة بجزء من رأس المال وتضع ضوابط واضحة لتأمين المواد بأسعار مناسبة، ويشارك المجتمع الأهلي عبر جمعيات حماية المستهلك التي تضم كوادر مؤهلة من مدراء وزارة التموين والصحة وأطباء وصيادلة وخبراء تغذية واقتصاد، لضمان شفافية الرقابة ومتابعة الأسعار. وتشير مصادر إلى أن الجمعية كانت في الماضي تواجه عراقيل من النظام السابق، لكنها تملك اليوم الإمكانية للمساهمة بفعالية في حماية المواطنين من ارتفاع الأسعار والفساد المؤسسي، خصوصاً في ظل عجز بعض مؤسسات الحكومة عن إدارة السوق بشكل فعال.
وعلى أرض الواقع، تتضح هذه الارتفاعات عند جولة في الأسواق، حيث سجلت أسعار الخضراوات والفواكه ارتفاعاً ملحوظاً خلال الأيام الأخيرة، نتيجة انخفاض الإنتاج الموسمي ونهاية المواسم الصيفية للعديد من الأصناف، إضافة إلى فترة انتقالية بين المواسم الصيفية والشتوية، مما يؤدي إلى شح المواد وارتفاع أسعارها.
وبلغ سعر كيلو غرام البندورة بين 7 و8 آلاف ليرة سورية، والخيار الأرضي بين 8 و9 آلاف، والباذنجان بين 5 و6 آلاف، والفليفلة بين 6 و7 آلاف، والبطاطا بين 6 و7 آلاف، والبصل اليابس بين 6 و7 آلاف، والثوم بين 40 و45 ألفاً، والكوسا بين 10 و11 ألفاً، فيما وصل سعر كيلو البامية إلى 25–26 ألفاً، واللوبياء إلى 19–20 ألفاً، والملوخية الخضراء إلى 20–21 ألفاً. كما تراوح سعر التفاح بين 8 و15 ألفاً، والموز بين 13 و15 ألفاً، والرمان بين 10 و12 ألفاً، والعنب بين 10 و15 ألفاً.
ويشير باعة الخضار والفواكه إلى أن بعض هذه الأصناف تشهد تقلبات يومية في الأسعار، خصوصاً تلك التي ليست من إنتاج البيوت البلاستيكية أو التي اقتربت من نهاية موسمها، فيما يظل استيراد الموز والفواكه الاستوائية الوسيلة الوحيدة لتأمين هذه الأصناف طوال العام.
ورغم ارتفاع الأسعار، يلتزم جميع التجار بوضع السعر على المادة بشكل واضح وتدوير الفواتير، فيما تواصل دوريات التموين جولاتها المكثفة للرقابة والتدقيق، وتنظيم ضبوط بحق المخالفين، تصل أحياناً إلى إغلاق المحال التي تتجاوز هامش الربح المحدد، لضمان حماية المستهلك وعدم استغلاله.
ويختم خبراء الاقتصاد أن ارتفاع الأسعار في الساحل السوري يعود بالدرجة الأولى إلى تذبذب سعر الصرف وضعف القوة الشرائية للمواطن، إضافة إلى سياسات السوق الحر العشوائية وغياب الرقابة الفعالة، وارتفاع تكاليف النقل والشحن. ويرى الجميع أن معالجة هذه الأزمة تتطلب جهوداً مشتركة من الحكومة والمجتمع الأهلي والتجار، لضمان توفير المواد الغذائية بأسعار مناسبة، وحماية المواطنين من الفوضى السعرية، وتفعيل دور الرقابة التموينية بما يحقق التوازن بين حقوق المستهلكين والتجار على حد سواء.