أرض الحضارة الأولى
لم تكن الزراعة في سوريا مجرّد مهنة أو نشاط اقتصادي، بل كانت جوهر الهوية الحضارية السورية منذ فجر التاريخ. على ضفاف الفرات والخابور، وفي سهول الجزيرة الخصبة، وغوطة دمشق الغنّاء، وسهول حوران السوداء، بدأ الإنسان يزرع أولى الحبوب ويدجّن الحيوان، فاتحاً بذلك أول فصل في قصة التحضّر الإنساني.
وسورية التي سُمّيت منذ القدم بـ “سلة خبز الشرق”، ظلّت عبر العصور مهد القمح والزيتون والعنب، ومصدر الغذاء للحضارات التي قامت على أرضها أو عبرت منها، من السومريين والآراميين، إلى الإغريق والرومان، وصولاً إلى الدولة الإسلامية والعصر الحديث.
البدايات: من أبو هريرة إلى ماري… الزرع الأول على الأرض
تشير الاكتشافات الأثرية في تل أبو هريرة شمالي الفرات إلى أن سكانه مارسوا الزراعة منذ نحو 13 ألف عام، وهي من أقدم الشواهد في العالم على تحوّل الإنسان من الصيد إلى الزراعة المستقرة.
عُثر هناك على أدوات طحن حجرية وبذور قمح وشعير متفحمة، إضافةً إلى بقايا ماعز وأغنام مستأنسة، ما غيّر فهم المؤرخين لمسار الحضارة البشرية.
أما في ماري وإيبلا وتدمر، فقد كشفت التنقيبات عن وجود أنظمة زراعية متطورة تعتمد على السجلات الطينية لتوزيع الأراضي والحصص المائية، مما يدل على إدارة اقتصادية متكاملة قبل آلاف السنين من الكتابة المسمارية في الرافدين.
العصور الكلاسيكية والإسلامية: الزراعة كفنّ ونظام حياة
في العصور الآرامية والرومانية، توسّعت شبكات الريّ، فبُنيت الأقنية والسواقي الحجرية وشُيّدت السدود الصغيرة لتخزين مياه الأمطار.
تحوّلت غوطة دمشق في تلك الحقبة إلى جنةٍ خضراء تحيط بالعاصمة، حيث وصفها الجغرافيون المسلمون في القرن العاشر بقولهم:
“الغوطة قطعة من الجنة… فيها من الثمار ما لا يُحصى، تسقيها الأنهار كالشرايين في الجسد.”
وفي العهد الإسلامي، انتقلت الخبرة الزراعية السورية إلى الأندلس عبر العلماء والتجار، لتصبح أساساً لأنظمة الريّ المتقدمة في إسبانيا لاحقاً.
الأدوات التقليدية: من المنجل إلى المحراث الحديدي
عرف الفلاح السوري عبر القرون أدواتٍ بسيطة لكنها عبقرية في وظيفتها: المنجل الحجري، والمحراث الخشبي “العرد”، والشادوف لسحب المياه من الآبار.
ومع دخول القرن العشرين، بدأت ثورة المكننة الزراعية بدعم من الدولة، فاستُبدلت الأدوات اليدوية بالمحاريث الحديدية والمضخات، وانتشرت الجرارات في سهول الجزيرة وحوران، ما غيّر بنية الريف السوري وأسلوب العمل في الحقول.
المحاصيل: من القمح إلى القطن… ذاكرة الأرض
القمح والشعير: غذاء التاريخ
سورية تُعدّ من أقدم منتجي القمح في العالم. كان القمح يُزرع على نطاقٍ واسع في الجزيرة وحوران، ويمثّل عماد الغذاء والاقتصاد معاً. القمح السوري الصلب كان يُصدّر إلى مصر والعثمانيين وأوروبا الشرقية حتى منتصف القرن العشرين.
القطن: الذهب الأبيض
في خمسينيات القرن الماضي، أصبح القطن المحصول النقدي الأول في البلاد. امتدت مساحاته على ضفاف الفرات وسهول حلب ودير الزور، وأسّس لصناعة نسيج وطنيّ ضخمة. لكن مع تراجع الريّ وارتفاع التكاليف وتغيّر المناخ، تقلّصت المساحات في العقود الأخيرة.
الزيتون والعنب والحمضيات
من جبال الساحل إلى ريف إدلب ودرعا، ظلّت أشجار الزيتون رمزاً للسلام والصمود. أكثر من 100 مليون شجرة زيتون كانت تُزيّن وجه البلاد قبل الحرب، إلى جانب العنب في السويداء والحمضيات في الساحل.
الجغرافيا الزراعية: ممالك الخصوبة المتنوّعة
الجزيرة السورية (الحسكة – الرقة – دير الزور)
أراضٍ بعلية شاسعة تُروى بمياه الفرات. القمح والشعير والقطن محاصيلها الأساسية.
يقول المزارع عبد الكريم الحمد من ريف الحسكة
“كانت أرضنا تُعطي ذهباً كل موسم، واليوم ننتظر الغيم ولا يأتي. لم نعد نحصد كما في الماضي.”
الغوطة وريف دمشق
مزارع بساتين، فواكه وخضار وزهور. كانت تُعدّ درّة الزراعة البستانية في الشرق.
اليوم، كثير من أراضيها صارت ضمن التمدد العمراني أو تضرّرت بفعل النزاع.
سهل حوران ودرعا
تربة بركانية خصبة ومياه جوفية وافرة. اشتهرت بزراعة القمح والكروم والبطاطا.
الفلاح سليم الزعبي يقول:
“حوران كانت تُطعم الشام، لكننا الآن نزرع بالكاد ما يكفينا بسبب ارتفاع الأسعار وشحّ الوقود.”
الساحل السوري (اللاذقية – طرطوس)
مناخ متوسطي رطب جعلها موطناً للحمضيات والتبغ والخضروات الشتوية.
البادية والمناطق الجافة
رغم قسوة الطبيعة، كانت مراعٍ مهمة لتربية المواشي والإنتاج الحيواني، لكنها تضرّرت بفعل الجفاف والتصحر المتزايد.
من الازدهار إلى الأزمة: الزراعة في القرن العشرين والحادي والعشرين
شهدت سورية بعد الاستقلال جهوداً كبيرة لتحديث الزراعة:
إنشاء سد الفرات عام 1973 مكّن من ريّ آلاف الهكتارات.
تأسيس مؤسسة البذار ومراكز البحوث الزراعية التي طوّرت أصناف قمح محلية مقاومة للجفاف.
إطلاق برامج دعم للفلاحين بالأسمدة والوقود بأسعار رمزية.
لكنّ العقود الأخيرة حملت تغيّرات قاسية.
فمنذ عام 2011، تعرّض القطاع الزراعي لأضرار جسيمة:
تراجع إنتاج القمح بأكثر من 60%.
تدمير قنوات ريّ وسرقة مضخات وآليات.
نزوح مئات آلاف الفلاحين من أراضيهم.
ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة بشكل غير مسبوق.
تقرير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) لعام 2024 يؤكد أنّ أكثر من 12 مليون سوري يواجهون انعدام أمن غذائي بدرجات متفاوتة، وأن استعادة القطاع الزراعي ضرورة لا ترفاً.
البحوث والشهادات: الأمل في البذور المحلية
يؤكد الباحث الزراعي د. نشأت الحسن في تصريح “للسوري”: “رغم كل ما حدث، ما تزال التربة السورية تمتلك خصوبة طبيعية عالية. التحدي الأكبر هو الماء. إن أعدنا ترميم شبكات الري واستخدام طرق الري الحديثة، يمكن أن نضاعف الإنتاج خلال خمس سنوات.”
ويضيف الباحث: “البذور السورية القديمة أكثر مقاومة للجفاف من الهجينة المستوردة، لذا نعمل حالياً على إعادة حفظها في بنك البذور الوطني.”
المستقبل: بين الخطر والفرصة
المناخ يتغيّر بسرعة، والأنهار الكبرى (الفرات والعاصي) تواجه ضغوطاً هيدرولوجية، لكنّ الأرض السورية لم تفقد سرّها بعد.
الخبراء يدعون إلى استراتيجية جديدة تعتمد على
إدارة المياه بذكاء (الريّ بالتنقيط، حصاد مياه الأمطار)
دعم التعاونيات الزراعية وتمويل صغار المزارعين.
ترميم السدود الصغيرة وتوسيع إنتاج البذور المحلية.
دمج الشباب في مشاريع زراعية حديثة بدلاً من هجرتهم إلى المدن.
الأرض التي لا تنام
على الرغم من الحروب والجفاف والتحديات، تبقى الزراعة في سورية ذاكرة وطنية وركيزة حياة. فكل سنبلة قمح تُزرع اليوم على أرض الجزيرة، وكل قطرة ماء تُسقى بها نخلة في دير الزور أو شجرة زيتون في إدلب، هي استمرار لحكاية بدأت قبل عشرة آلاف عام…
حكاية الإنسان السوري الذي لم يفقد يوماً إيمانه بالأرض.