لكل السوريين

السكن العشوائي في سوريا… أزمة قديمة فاقمتها الحرب

في ظل تداعيات الحرب الطويلة، تحوّلت أزمة السكن والعشوائيات في سوريا إلى مأساة إنسانية تمسّ ملايين المواطنين، فهناك أكثر من مليون منزل مدمّر، والملايين يعيشون في مساكن غير منظمة، بينما تغيب الخطط الفعلية لإعادة الإعمار.

وتختلف الأسباب المؤدية إلى ظهور أزمة السكن العشوائي في سوريا بين النزوح الداخلي من الأرياف خاصة بسبب الحرب التي دفعت الملايين للبحث عن مأوى سريع دون تخطيط، وارتفاع أسعار العقارات الرسمية مقارنة بدخل المواطن ما جعل البناء غير النظامي الخيار الوحيد للفقراء.

إضافةً إلى ضعف الرقابة والتخطيط خاصة في أطراف المدن البعيدة عن الأنظار وتأخر في إصدار القوانين التنظيمية العادلة التي تمنع التوسع العشوائي.

نتائج السكن العشوائي

رغم أن السكن العشوائي نشأ كحلّ اضطراري للنازحين والفقراء، إلا أنه سرعان ما تحوّل إلى مشكلة بنيوية تهدد حياة السكان وتعيق التنمية، فغياب التنظيم والتخطيط في هذه المناطق لا ينعكس فقط على شكل المدينة، بل يتسبب بأضرار اجتماعية واقتصادية وبيئية وقانونية عميقة.

على المستوى الاجتماعي، يعيش سكان العشوائيات في بيئة تفتقر إلى الأمان والخدمات الأساسية، ما يؤدي إلى تهميشهم في أماكن يتزايد فيها معدلات الفقر والعنف، أما عمرانياً، فالأبنية غير المرخصة تُشوّه النسيج الحضري، وتُعيق إدماج هذه المناطق في المخططات التنظيمية، كما أن البنية التحتية فيها غالباً ما تكون هشة أو حتى غائبة تماماً، مما يعرّض السكان لمخاطر الكوارث الطبيعية والانهيارات.

إضافةً إلى أن العشوائيات تعتبر عبئاً اقتصادياً على البلاد، وغياب الملكية القانونية يمنع السكان من الاستفادة من عقاراتهم في البيع أو التمويل، ويجعلهم عرضة للإخلاء أو الاستغلال.

قانونياً، يواجه سكان العشوائيات صعوبات في إثبات ملكيتهم، خاصة في ظل قوانين تنظيمية تتيح اقتطاع الأراضي دون تعويض عادل، ما يهدد استقرارهم ويُقصيهم من أي مشاريع إعادة تأهيل أو تطوير.

أبرز التشريعات

شكّلت التشريعات المتعلقة بالسكن والعشوائيات في سوريا محاولة رسمية لتنظيم الفوضى العمرانية، لكنها افتقرت إلى آليات تنفيذ واقعية أو عدالة اجتماعية.

فمنذ عام ٢٠١٢ أطلق مشروع “ماروتا سيتي” بموجب المرسوم التشريعي رقم 66 التي تنص على تنظيم منطقتين في دمشق بهدف معالجة مشكلة السكن العشوائي وتحويلها لبيئة عمرانية منظمة ولكن بحسب التقارير الإعلامية كان التنفيذ بطيء ومتجزّئ دون وجود آليات تنفيذية وضمانات اجتماعية واضحة.

وفي ظل غياب تقارير حكومية دورية وشفافة حول أموال إعادة الإعمار وتنظيم السكن، تعتمد معظم النسب المتداولة على تحليلات صحفية واقتصادية مستقلة، لا على بيانات رسمية منشورة، فعلى سبيل المثال، تشير تقارير من مركز حرمون وSyria Report إلى أن نسبة تنفيذ مشاريع التنظيم العقاري مثل “ماروتا سيتي” و”باسيليا سيتي” لا تتجاوز 30%، وأن تطبيق القانون 23 لعام 2013 والمرسوم 10 لعام 2018 بقي محدوداً دون تجاوز 15%، كما واجه المرسوم انتقادات واسعة بسبب ضيق المهلة الزمنية لإثبات الملكية ما يقصي المهجرين والنازحين من حقوقهم العقارية، وتحويل الملكيات إلى أسهم يفقد السكان السيطرة المباشرة على ممتلكاتهم ويجعلها عرضة للاستثمار دون ضمانات، ومع غياب السجلات العقارية الدقيقة فتح المجال للتلاعب بدلاً من تحقيق العدالة العمرانية.

أما النسب المتعلقة بتوزيع الأموال، مثل توجيه 60–70% منها نحو مشاريع عقارية استثمارية، فهي مستندة إلى مقارنة حجم المشاريع المعلنة مقابل غياب مشاريع إسكان اجتماعي أو إعادة تأهيل العشوائيات، ولا توجد جهة رسمية نشرت تفاصيل دقيقة عن أوجه الصرف، هذا التفاوت بين الخطاب الرسمي والواقع العملي يؤكد عدم وجود رقابة، وعدم وجود تقارير دورية تضمن العدالة والشفافية في إدارة ملف الإعمار.

إن معظم التشريعات صدرت دون آليات تنفيذ واضحة أو جدول زمني ملزم، حيث أن المال متوفر ولكن لا أحد يعلم كيف يتم صرفها ومن يتحكم بهذه الصفقات كما أن الإنجازات الفعلية تركزت في مشاريع عقارية استثمارية، لا في معالجة العشوائيات أو توفير مساكن للمهجّرين.

وغياب الشفافية في صرف أموال الإعمار يُعد من أبرز العوائق، إلى جانب ضعف إشراك السكان في التخطيط وضعف التعويض لهم إضافة لمشكلة الملكية القانونية حيث لم يتمكن كثير منهم من إثبات ملكيتهم ما أدى إلى فقدان حقوقهم، وبما أن الفساد في سوريا يعتبر الأعلى عالمياً فإن تتبع الاموال والمساءلة ومحاسبة المسؤولين تصبح أمر صعباً في ظل غياب آليات الرقابة وتداخل المصالح بين الجهات المنفذة والرقابية، كل ذلك يجعل من مشاريع التنظيم واجهة للاستثمار دون معالجة جوهر أزمة السكن.

ملف السكن العشوائي بعد سقوط النظام

ما بعد سقوط النظام دخلت سوريا في حالة من التفتت الإداري والسياسي وغابت جهة موحدة مسؤولة عن إدارة الملفات، وأصبحت الأزمة أكثر تعقيداً حيث انكشفت هشاشة البنية القانونية والمؤسساتية التي كانت تدار بها الملكيات العقارية.

ومع غياب قدرة الحكومة على حماية الحقوق برزت سلطات محلية متباينة في المرجعية وكلها تفتقر لسجل عقاري دقيق وموحد وآليات قانونية نزيهة كل هذا يجعل من المستحيل تتبع الأموال التي جمعت باسم الإعمار وكيف صرفت، ومن المستحيل توثيق الانتهاكات وحالات التهجير القسري الذي لايزال يستمر بأشكال مختلفة إذ بات لا يقاس فقط بعدد من غادروا بيوتهم بل بعدد من فقدوا حق العودة إليها، فالسكان وجدوا أنفسهم أمام منظومة عقارية لا تعترف بوجودهم ولا تتيح لهم إثبات ملكيتهم، هكذا تم إقصاء الفئات الأضعف وربط إعادة الإعمار بمصالح سياسية واقتصادية بعيداً عن أي عدالة اجتماعية.

- Advertisement -

- Advertisement -