لكل السوريين

قراءة في عملية اختطاف مادورو.. وتداعياتها على دول الجوار والقانون الدولي

لطفي توفيق

أعادت عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي ومحاكمته في الولايات المتحدة ترتيب موازين القوة الدولية، وأثارت جدلاً واسعاً حول دور القانون الدولي في السيادة وإدارة النزاعات.

وساهمت في تصعيد التوتر بين القوى الكبرى، وشكّلت مجموعة من الرسائل حول السيادة والهيمنة، وخاصة في دول أميركا اللاتينية، حيث ذكر ترامب أن الولايات المتحدة “ستضل مسؤولة عن إدارة فنزويلا واستخراج النفط من احتياطياتها الضخمة لعدة سنوات”، ولم يحدد في مقابلته مع صحيفة نيويورك تايمز، مدة سيطرة أميركا على المشهد السياسي في فنزويلا.

وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال، أن إدارة ترامب تعمل على وضع خطة لفرض السيطرة على النفط الفنزويلي لسنوات قادمة، وتتضمن الخطة فرض سيطرة على شركة النفط الحكومية الفنزويلية، والاستحواذ على حصة كبيرة من إنتاجها وبيعها.

ومن المعروف أن اهتمام ترامب بالنفط الفنزويلي ليس جديداً، حيث قال عام 2023، “عندما غادرت، كانت فنزويلا على وشك الانهيار، كنا سنستولي عليها، وسنحصل على كل هذا النفط”.

ولكن سياسة الرئيس الأميركي الجديدة تشير إلى أن الولايات المتحدة تسعى للسيطرة على معظم احتياطيات النفط في نصف الكرة الغربي أيضاً، مما دفعه إلى إضافة “ملحق ترامب على مبدأ مونرو الشهير”.

من مونرو إلى دونرو

جاء إلقاء القبض على رئيس فنزويلا متوافقاً مع الاستراتيجية الأمنية التي أطلقتها إدارة ترامب الشهر الماضي، وأعطت الأولوية للمجال الحيوي للولايات المتحدة في المنطقة ضمن ما أطلقت عليه “ملحق ترامب على مبدأ مونرو”، في إشارة إلى العقيدة التي أطلقها الرئيس جيمس مونرو عام 1823، وأعلن خلالها نصف الكرة الغربي مجالاً خالصاً للنفوذ الأميركي.

وقال ترامب “إن عقيدة مونرو مهمة جداً، لكننا تجاوزناها إلى حد بعيد”، وأضاف “في إطار استراتيجيتنا الجديدة لن تمس بعد الآن السيطرة الأميركية في النصف الغربي من الكرة الأرضية”، مما يشير إلى أن تأكيدات ترامب على رغبته في سحب الولايات المتحدة من الصراعات العالمية لا يعني التخلي عن الدور المهيمن الذي تلعبه واشنطن على الساحة الدولية، بل يعني اعتماد نهج أكثر خشونة في التعامل مع خصومها، عن طريق الصراعات الخاطفة،  حيث لا يريد ترامب تدخلات طويلة ومكلفة كما حدث في فيتنام وأفغانستان والعراق، ولكنه يريد تدخلات عسكرية سريعة وصادمة كما حدث في إيران ونيجيريا وأخيرا في فنزويلا، حيث تحقق هذه التدخلات التأثير المطلوب على خصوم واشنطن بلا تكاليف عسكرية طويلة المدى، بغض النظر عن كونها تخرق المواثيق والمبادئ الدولية بشكل واضح.

القوة فوق الشرعية

أثارت عملية خطف مادورو جدلاً واسعاً حول أثرها على القانون الدولي، ومواقف الدول التي تتمسك به، وترفض التدخلات العسكرية غير القانونية.

ووجهت رسالة إلى العالم تفيد بأن الولايات المتحدة قد تتصرف بشكل مباشر إذا شعرت بأن مصالحها أو سيادتها مهددة، مما يمثل تراجعاً في دور القانون الدولي، وترسيخاً لفكرة “القوة فوق الشرعية”، ويعمّق الانقسامات بين محور مؤيد وآخر معارض للسياسات الأميركية في العالم، ويزيد من التوترات الداخلية في دولٍ تتزايد فيها الاحتجاجات وردود فعل السلطات عليها.

وعلى الأرجح، لن يعود العالم كما كان عليه قبل عملية كراكاس، حيث تعرضت الثقة بين القوى الكبرى في المجتمع الدولي لضربة كبيرة، واهتزت الثقة بينها وبين الدول الأخرى، وتصاعدت المخاوف من التدخلات المسلحة المباشرة وقدرة الدول على الحفاظ على سيادتها.

فمن غير المعروف كيف سيتطور الوضع السياسي في فنزويلا بعد إزالة مادورو من السلطة، لكن استقرارها غير مضمون في المدى المنظور على الأقل، مما يجعل دول المنطقة أكثر قلقاً تجاه التدخلات الأجنبية، ويساهم في تغيير النظام الدولي الخاص بسيادة الدول، ويضع العالم على حافة توترات غير مسبوقة لن تختفي في السنوات القادمة.

انتهاك للقانون الدولي

من منظور القانون الدولي، أثارت عملية اختطاف مادورو إشكاليات جوهرية، حيث يؤكد ميثاق الأمم المتحدة على مبدأ سيادة الدول، كما تنص الأعراف الدولية على أن الاعتداء العسكري على دولة ذات سيادة، واعتقال رئيسها يشكل خرقاً واضحاً لهذا المبدأ، ما لم يصدر تفويض صريح من مجلس الأمن الدولي، أو مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية، حيث يتمتع رؤساء الدول بحصانة سيادية تمنع ملاحقتهم قضائياً أثناء وجودهم في المنصب.

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة على أهمية الاحترام الكامل للقانون الدولي من قبل جميع الأطراف، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة، وأعرب عن قلق الأمين العام من أن “قواعد القانون الدولي لم تحترم”.

وأعربت الخارجية الصينية عن صدمة بكين من “الاستخدام السافر للقوة من قبل الولايات المتحدة”، ووصفت أفعال واشنطن بأنها “تنتهك القانون الدولي وسيادة فنزويلا، وتهدد السلام والأمن في منطقة أميركا اللاتينية والكاريبي”.

وفي السياق ذاته، دعت الخارجية الروسية الولايات المتحدة إلى “مراجعة موقفها والإفراج عن الرئيس المنتخب شرعياً لدولة ذات سيادة وزوجته”، وشددت على ضرورة فتح حوار بين كراكاس وواشنطن.

دول تحت التهديد

أراد ترامب عبر تصوير وبث عملية القبض على مادورو، أن يثبت لكل زعماء أميركا اللاتينية أن واشنطن تستطيع أن تفعل ما تريد، وأن القوة تستطيع أن تحسم كل شيء، وأن ينصّب بلاده كحكم وشرطي يستطيع اعتقال رئيس دولة، والدخول حيثما شاء دون اكتراث بالقانون الدولي.

وبعد ساعات فقط من اعتقال مادورو، وجَّه ترامب تهديدات إلى دول في المحيط الأميركي.

ومنها:

غرينلاند

تحتل غرينلاند موقعاً استراتيجياً هاماً في شمال المحيط الأطلسي، ما يتيح لمن يسيطر عليها الوصول إلى الدائرة القطبية الشمالية ذات الأهمية المتزايدة مع ذوبان الجليد خلال السنوات القادمة، حيث يتوقع فتح طرق ملاحية جديدة.

وتقع في مكان استراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، وهو ما يمثل أهمية لمنظومة الدفاع الصاروخي الباليستية الأميركية، كما تجذب ثرواتها من المعادن الأرضية النادرة، الأساسية في صناعة الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية والمعدات العسكرية، واشنطن في ظل سعيها لتقليل اعتمادها على الصادرات الصينية.

ومع أن الولايات المتحدة تمتلك قاعدة عسكرية كبيرة فيها، ولكن ترامب يريد الجزيرة بأكملها، حيث قال “نحن بحاجة إلى غرينلاند من منظور الأمن القومي”.

ومنذ بداية ولايته الثانية، أعاد اهتمامه بالجزيرة، ورفض استبعاد استخدام القوة للسيطرة عليها.

كولومبيا

تملك كولومبيا احتياطيات نفطية كبيرة، وهي منتج رئيسي للذهب والفضة والزمرد والبلاتين والفحم، مما جعلها هدفاً مهماً للولايات المتحدة.

وبعد ساعات من العملية العسكرية في فنزويلا، قال ترامب إن كولومبيا “يديرها رجل مريض يحب صنع الكوكايين وبيعه للولايات المتحدة”.

وأضاف “لن يستمر في فعل ذلك طويلاً”، وأجاب عندما سُئل عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستنفذ عملية تستهدف كولومبيا “يبدو هذا جيداً بالنسبة لي”.

ومنذ أن بدأت الولايات المتحدة باستهداف السفن في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ في شهر أيلول الماضي بحجة أنها تحمل مخدرات، دخل ترامب في نزاع متصاعد مع الرئيس اليساري للبلاد، وفرضت الولايات المتحدة عقوبات عليه في شهر تشرين الأول، بحجة أنه “يسمح لعصابات المخدرات بالازدهار”.

المكسيك

عندما دخل ترامب إلى البيت الأبيض عام 2016 سارع بالدعوة إلى بناء جدار على طول الحدود الجنوبية مع المكسيك.

وفي أول يوم له بعد عودته إلى منصبه في العام الماضي، وقّع أمراً تنفيذياً بتغيير اسم خليج المكسيك إلى “خليج أميركا”.

واتهم السلطات المكسيكية مراراً بأنها لا تبذل جهداً كافياً لوقف تدفق المخدرات، أو المهاجرين غير الشرعيين، إلى الولايات المتحدة.

وقال إن المخدرات تتدفق عبر المكسيك و”علينا أن نفعل شيئاً”، مضيفاً أن عصابات المخدرات هناك “قوية للغاية”، مما اعتبره مراقبون نية مبيتة للتدخل العسكري في المكسيك، وربما تكرار عملية كاراكاس في مكسيكو سيتي، للسيطرة على المكسيك واختطاف أو عزل رئيسها.

البرازيل

تمتلك البرازيل واحدا من أكبر احتياطيات المعادن الأرضية النادرة عالمياً، وقد اتخذ الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا مؤخراً خطوات لتنظيم هذا القطاع مع التأكيد على السيادة الوطنية.

ولكن النائب البرازيلي غلاوبر براغا حذّر من لجوء الولايات المتحدة إلى القوة للسيطرة على احتياطيات بلاده من العناصر الأرضية النادرة بعد الهجوم الأمريكي على فنزويلا.

وقال لوكالة نوفوستي الروسية إن “ما حدث لفنزويلا قد يتكرر مع البرازيل إذا رفضت تسليم مواردها طواعية”، ودعا إلى تعبئة دولية واسعة لمواجهة ما وصفه بـ”الإرهاب الدولي” الذي يقوده الرئيس الأمريكي.

وانتقد ما اعتبره “تهديدات أمريكية متصاعدة ضد دول أمريكا اللاتينية”، وقال “يجب أن تصبح الحكومة البرازيلية منسقاً دولياً مؤثراً لإدانة ما يحدث في أمريكا اللاتينية”.

كوبا

تقع كوبا جنوب فلوريدا، وتخضع لعقوبات أميركية منذ أوائل الستينيات من القرن الماضي، وكانت تربطها علاقات وثيقة بفنزويلا بقيادة نيكولاس مادورو.

وقد ألمَح ترامب إلى أن التدخل العسكري الأميركي فيها غير ضروري، لأن “كوبا على وشك السقوط” وقال “لا أعتقد أننا بحاجة إلى أي إجراء، حيث يبدو أن الأمور تتدهور هناك”.

وأضاف: “لا أعرف ما إذا كانوا سيصمدون، لكن كوبا الآن بلا دخل، كان دخلهم كله يأتي من النفط الفنزويلي”.

ولكن بعض المراقبين يعتبرون أن تصريحات ترامب لا تنفي احتمال غزو كوبا، خاصة أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو دعا منذ فترة طويلة إلى تغيير النظام فيها، وقال “عندما يتحدث الرئيس، يجب أن تأخذوا كلامه على محمل الجد”.

- Advertisement -

- Advertisement -