منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، شهدت البلاد واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين، مئات الآلاف قُتلوا، الملايين شُردوا، وعشرات الآلاف اختفوا قسرياً، تاركين عائلاتهم في حالة من الألم والانتظار.
وبينما يواصل المجتمع الدولي الحديث عن العدالة الانتقالية في سوريا، تظل حقيقة هوية المفقودين في البلاد واحدة من أكثر الملفات تعقيداً، حيث تتكدس الرفات البشرية في مقابر جماعية، أحياناً بدون أي علامة أو سجل، في ظل ضعف الخبرة والإمكانات الفنية للتعامل معها.
المقابر الجماعية… صمت العظام
أحد مراكز الاستعراف بالطب الشرعي في دمشق، الذي أُنشئ حديثاً لتوثيق رفات الضحايا، يشهد على حجم المأساة، أمام طاولات غصّت بعظام الفخذ، كل قطعة مرقمة بعناية، يقف فريق صغير من الأطباء الشرعيين، محاولين فك شفرة الموت.
يقول الدكتور أنس الحوراني رئيس المركز في تصريح لوسائل إعلام حكومية: “تحديد هوية ضحية واحدة في مقبرة جماعية مختلطة يتطلب إجراء عشرات اختبارات الحمض النووي، وهو أمر معقد ومكلف ويستغرق سنوات”.
ويتابع، “المقابر الجماعية في سوريا غالباً ما تكون “مختلطة”، أي أن الجثث رُميت فوق بعضها البعض دون أي ترتيب أو فصل. حتى عند امتلاكنا العظام، فإن معرفة الجنس والعمر والطول ونوع العمل الذي كان يمارسه الشخص تساعد جزئياً، لكن تحديد الهوية الحقيقية يتوقف على الحمض النووي، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً هنا”.
تحديات فنية ومالية
تكمن الصعوبة الأولى في ندرة المعدات والمواد الكيميائية اللازمة لإجراء تحاليل الحمض النووي، إذ يقول خبراء الطب الشرعي إن كثيراً من هذه المواد لم تعد متوفرة في سوريا بسبب العقوبات، أو لأن أجهزة المختبرات التي يمكن أن تُستخدم لهذا الغرض صُنفت على أنها “مزدوجة الاستخدام” وبالتالي ممنوعة من التصدير.
كما أن تكلفة اختبار واحد قد تصل إلى 250 دولاراً، وفي المقبرة الجماعية قد يتطلب جمع جميع أجزاء جسد ضحية واحدة نحو عشرين اختباراً منفصلاً، ويعتمد الاستعراف بالطب الشرعي حالياً على تمويل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وهو تمويل محدود لا يغطي إلا جزءاً من العمل المطلوب.
أما التحدي الثاني هو ضعف الخبرة الفنية لدى الفرق الميدانية في انتشال الرفات، فعلى الرغم من التزام فرق الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) والبعض من المتطوعين ببروتوكولات دقيقة، إلا أن سنوات النزاع الطويلة وترهل المؤسسات تركا آثاراً واضحة على جودة جمع الأدلة، حالات كثيرة تم فيها انتشال رفات دون تسجيل كامل للأماكن أو الأدلة المصاحبة، ما يزيد من صعوبة إعادة بناء هوية المفقودين.
في حي التضامن بدمشق، كشفت فرق الدفاع المدني مؤخراً عن رفات خمسة أشخاص مجهولي الهوية أثناء أعمال ترميم أحد الأبنية. أثناء الانتشال، عُثر على أصفاد بلاستيكية تشير إلى أن الضحايا تعرضوا للتقييد قبل إعدامهم أو تعذيبهم.
ويقول بيان للخوذ البيضاء: “جمعنا جميع المتعلقات والأدلة في الموقع وفقاً للبروتوكولات الخاصة لتوثيق وجمع الرفات، ليتم تسليمها لمركز الاستعراف في الطب الشرعي”.
ويروي البيان: “أن الجثث كانت مشوّهة ومعذّبة، لم يكن بإمكاني التعرف على أي شخص إلا من الأرقام المعلقة على الجثث أو الملصقة على الصدر أو الجبهة”.
صعوبات كشف المصائر
وتشير تقارير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن العمليات تتطلب سنوات طويلة قبل أن تتمكن فرق الطب الشرعي من تحديد هوية ضحية واحدة في مقبرة جماعية مختلطة، بينما يظل ملايين السوريين يعيشون في حالة من القلق المستمر، ينتظرون معرفة مصير أحبائهم.
تجارب دول مثل البوسنة والعراق ورواندا، حيث تم التعامل مع مقابر جماعية بعد حروب داخلية أو إبادة جماعية، توضح أن نجاح تحديد الهوية يعتمد على الجمع بين التقنية العالية والخبرة الميدانية، إضافة إلى دعم دولي مستمر.
ففي البوسنة، مثلاً، استخدمت فرق دولية مختبرات متنقلة لتحليل الحمض النووي، وأُنشئت سجلات دقيقة لكل دفن، ما ساعد في إعادة رفات مئات الضحايا إلى عائلاتهم.
في العراق، أعيدت آلاف الجثث إلى عائلاتها بعد حرب 2003، باستخدام الحمض النووي والمقابلات العائلية، بينما في رواندا، بعد الإبادة الجماعية عام 1994، كانت العملية أصعب، لكن التعاون الدولي والخبرة المتخصصة ساعد على تحديد آلاف الضحايا وتوثيق أماكن الدفن.
التحديات القانونية والإدارية
إضافة إلى التحديات الفنية، تواجه الفرق العاملة في انتشال المقابر الجماعية والعائلات صعوبات قانونية كبيرة، ففي كثير من الحالات، لا توجد سجلات رسمية للمفقودين، ما يجعل أي محاولة لتوثيق الهوية مرتبطة بالتحقيقات الجنائية والملفات التاريخية المبعثرة.
كما أن التحقق من مصدر الرفات ومطابقتها مع بيانات العائلات أمر معقد، ويحتاج إلى تعاون كامل بين النيابة العامة، الشرطة الجنائية، ومراكز الطب الشرعي.
في حي التضامن وحده، تشير تقديرات الدفاع المدني إلى وجود عشرات المقابر الجماعية، بعضها اكتشف صدفة أثناء أعمال ترميم أو بناء، وهو ما يعكس قصور الخطط الميدانية السابقة وغياب خرائط دقيقة لمواقع الدفن الجماعي.
البعد النفسي والاجتماعي
تأثير فقدان الهوية لا يقتصر على الجانب القانوني أو الفني، بل له أبعاد نفسية واجتماعية عميقة. العائلات تعيش في حالة من عدم اليقين المستمر، وغالباً ما يتعرض أفرادها لصدمات نفسية متكررة عند اكتشاف رفات أو أجزاء من جثث مجهولة الهوية.
وتشير الدراسات النفسية إلى أن مثل هذا الفقدان المستمر للمعرفة عن أحبائهم يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات مزمنة مثل القلق والاكتئاب، ويزيد من صعوبة إعادة البناء الاجتماعي بعد الحرب.
ومع مرور السنوات، تبقى المقابر الجماعية في سوريا صامتة، تحوي أسرار آلاف الأرواح، بينما تتكدس الأدلة والرفات في مختبرات محدودة الإمكانات. تبقى هوية المفقودين مهددة بالضياع، والعدالة الانتقالية حلماً بعيد المنال.
وبينما تتواصل جهود المنظمات الدولية والمحلية، لا يزال الأمل معلقاً على الدعم الفني والخبرة العلمية التي قد تساعد في إعادة الأسماء إلى أصحابها، وتخفيف المعاناة عن العائلات المنتظرة منذ أكثر من عقد من الزمن.
إن ملف المفقودين في سوريا ليس مجرد قضية إنسانية، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة والمجتمع على مواجهة إرث الحرب، واستعادة كرامة الضحايا وعائلاتهم. وكل يوم يمر من دون تقدم ملموس يعني مزيداً من الضياع، ومزيداً من الألم الذي لن يزول إلا عندما تتحد الجهود المحلية والدولية لإعادة الأمل إلى السوريين.