لكل السوريين

خارطة الطريق في السويداء… اتفاق يتجاوز الحدود ويرتب علاقة دمشق بتل أبيب

لم تعد خارطة الطريق الخاصة بمحافظة السويداء مجرد مبادرة لمعالجة أزمة محلية اندلعت نتيجة أحداث العنف الأخيرة، بل تحولت إلى مؤشر على مسار سياسي وأمني يتجاوز حدود المحافظة، ليطال مستقبل العلاقة بين دمشق وتل أبيب.

وتضمن البيان الصادر عن الحكومة السورية الانتقالية إشارات صريحة إلى “التفاهمات الأمنية المشروعة لإسرائيل”، برعاية أميركية ودعم أردني، وهو ما يعتبر إقراراً بوجود تحضيرات فعلية لاتفاق أمني بين الطرفين يتناسب مع مطامع تل أبيب في سوريا.

وركز البيان على إعادة الاستقرار إلى المحافظة عبر مجموعة خطوات، أبرزها تعزيز دور المؤسسات المحلية، وضمان المساواة بين جميع أبناء السويداء في الحقوق والواجبات، إضافة إلى التزام الحكومة بتأمين الخدمات الأساسية ومحاسبة المسؤولين عن أعمال العنف.

لكن ما يلفت الانتباه هو أن هذه البنود الداخلية لم تكن هي العنوان الأبرز، إذ سرعان ما طغى عليها البعد الإقليمي الذي حمله النص، عندما أشار بشكل مباشر إلى ترتيبات أمنية مرتبطة بالحدود مع إسرائيل.

من أزمة محلية إلى ملف إقليمي

وشذَّ عن بنود خارطة الطريق التأكيد على أن الولايات المتحدة، بالتنسيق مع الحكومة السورية الانتقالية، تعمل على صياغة تفاهمات أمنية تأخذ بعين الاعتبار “المخاوف المشروعة لكل من سوريا وإسرائيل”، هذا الاعتراف العلني يضع الأزمة في السويداء ضمن سياق أشمل، بحيث تصبح بوابة لتسويات إقليمية تلامس جوهر الصراع السوري – الإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن إدراج إسرائيل في بيان حكومي سوري يخص محافظة داخلية، يمثل سابقة تكشف حجم الضغوط الأميركية والأردنية لإدماج ملف الجنوب السوري في ترتيبات سياسية وأمنية أوسع.

ويقول الأمين العام لحزب الانتماء الديمقراطي رجى الدامقسي، إن ما ورد في بيان خارطة طريق السويداء “يبدو واضحاً أنه اعتراف حقيقي بوجود مشروع أمني مع إسرائيل”، مؤكداً أن هناك توقيعاً مرتقباً على أوراق بين تل أبيب وسوريا وفق الشروط الإسرائيلية الواضحة تماماً.

ويضيف الدامقسي في تصريحات لصحيفة “السوري”، أن هذا التطور يثبت ويؤكد مجدداً أن مجيء الإدارة الجديدة في سوريا لم يكن اعتباطياً، بل جاء لتحقيق هدف محدد، بات مكشوفاً اليوم، وهو التوقيع على اتفاقية مع إسرائيل.

ويشير، إلى أنه لا يعتقد أن الأمر يقتصر على مجرد “اتفاقية سلام”، بل يرى أنها تتجاوز ذلك بكثير، لافتاً إلى أن الأيام القليلة المقبلة ستكشف تفاصيل أوضح حول هذه الاتفاقية وما جرى الإعداد له من قبل دمشق.

ويؤكد الأمين العام لحزب الانتماء الديمقراطي أن التفاهمات بين الولايات المتحدة وإسرائيل تهدف عملياً إلى ضمان تفوق إسرائيل ودورها المركزي، مشدداً على أن كل ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط يجري بالدرجة الأولى لصالح إسرائيل وتعزيز مكانتها كـ”الشرطي الحقيقي” الذي يتحكم ويدير شؤون المنطقة.

ويضيف أن إسرائيل باتت واقعياً فاعلاً رئيسياً في الشرق الأوسط بعدما كانت تبحث عن دور سياسي وعسكري أوسع، مشيراً إلى أن ما يحصل اليوم يعكس انتقالها إلى موقع التحكم المباشر.

ويشير الدامقسي إلى أن هذه التفاهمات لا تعتبر بحاجة إلى حوار داخلي أو عقد مؤتمرات وطنية، موضحاً أن ما جرى بين دمشق وإسرائيل يتخطى كل الحلول الوطنية التقليدية، وأن الحكومة الانتقالية الحالية لا تعترف فعلياً بحقوق جميع السوريين أو بوجود المكونات الأخرى.

ويوضح، أن البحث في هذه الشروط المفروضة يجب أن ينطلق من كونها قضية تمس المجتمع السوري ككل، وليس فقط محافظة السويداء، محذراً من أن ما يحدث يعيد سوريا إلى دوامة معارك وصراعات مفتوحة.

لقاء سوري ــ إسرائيلي

تزامنت هذه الإشارات مع ما نشره موقع “أكسيوس” الأميركي عن استعداد وزير الخارجية في الحكومة الانتقالية أسعد الشيباني للقاء وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر في لندن، بحضور المبعوث الأميركي توماس باراك، هذا الاجتماع المتوقع عقده قريباً سيكون الثالث من نوعه خلال الأشهر الأخيرة، ويأتي في ظل مقترح أمني جديد نقلته تل أبيب إلى دمشق.

المقترح الإسرائيلي، بحسب “أكسيوس”، يتضمن تقسيم مناطق جنوب غرب دمشق وحتى الحدود مع إسرائيل إلى ثلاث مستويات من الانتشار العسكري، مع فرض منطقة حظر جوي على الطيران السوري، وإنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي السورية بعمق كيلومترين.

وفي مقابل ذلك، تعرض إسرائيل انسحاباً تدريجياً من بعض النقاط التي تقدمت إليها مؤخراً، مع تمسكها بوجود عسكري في قمة جبل الشيخ الاستراتيجية.

من جهتها، نقلت وكالة “رويترز” عن مصادر مطلعة أن واشنطن تضغط بقوة للتوصل إلى اتفاق أمني قبل اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ما يتيح للرئيس الأميركي الإعلان عن “اختراق دبلوماسي” في الملف السوري.

لكن هذه الضغوط تصطدم بما يوصف بـ”الشروط القصوى” الإسرائيلية، التي لا تمنح دمشق مكاسب حقيقية، فبينما تفرض القيود على الجيش وتمنع تحليق طيرانه في مناطق الجنوب، فإنها لا تقدم أي تنازلات إسرائيلية جوهرية، خصوصاً أن ملف الجولان المحتل منذ 1967 لم يطرح على الطاولة بعد.

ما وراء خارطة السويداء

هذه التطورات تعني أن خارطة طريق السويداء لم تعد محصورة في معالجة أزمة داخلية، بل أصبحت غطاءً لمسار سياسي – أمني أكبر، يجري تسويقه كمدخل لترتيب العلاقة بين دمشق وتل أبيب.

وإذا ما نجحت هذه التفاهمات، فقد نشهد إعادة رسم للواقع العسكري والأمني في الجنوب السوري، مع احتمالات لتوسيعها لاحقاً لتشمل ملفات أكثر حساسية مثل مستقبل الجولان.

يبقى السؤال الأساسي: هل يمكن للحكومة السورية الانتقالية أن تقبل بترتيبات أمنية تضع قيوداً صارمة على سيادة دمشق في الجنوب، مقابل وعود غامضة بانسحاب إسرائيلي جزئي؟ وهل سيؤدي ربط أزمة السويداء بهذا المسار إلى تكريس نفوذ خارجي أكبر داخل سوريا، أم أنه يشكل فرصة لتخفيف التوتر على الحدود الجنوبية؟

بالمحصلة، فإن خارطة طريق السويداء قد فتحت الباب أمام مرحلة جديدة، لا تقتصر على تهدئة أزمة محلية، بل قد تتحول إلى جسر نحو اتفاق أمني مع إسرائيل، يغيّر موازين القوى في المنطقة ويعيد صياغة المشهد السوري – الإقليمي برمته.

- Advertisement -

- Advertisement -