دمشق/ مرجانة إسماعيل
ينحت الفنان علي السعيد في أستوديو متواضع بحي الحميدية بدمشق، حيث غبار الرخام يمتزج مع عبق التاريخ، تحفته الأخيرة بخامات بدائية. يداه المغطاتان بالغبار تنقلان إزميله بحركات دقيقة، وكأنه ينقذ ذاكرة من الاندثار. يقول علي: “نحن لا ننحت الحجر فقط، بل ننحت هوية وأسرار حضارات غابرة. لكننا اليوم نواجه خطر الانقراض في صمت”.
هذه ليست مبالغة. ففن النحت في سوريا، الذي يمتد جذوره إلى الحضارات الآشورية والآرامية، يعيش اليوم أزمة وجودية هي الأسوأ في تاريخه الحديث. فبينما تشهد مدن مثل حمص وحماة ودمشق محاولات فردية لإنقاذ هذا التراث، تظل التحديات أكبر من أن تحتمل.
في حمص، حيث كانت ورش النحت تنتشر كخلايا النحل، أصبحت اليوم تعد على أصابع اليد الواحدة. الفنانة لمى الحسن، التي ورثت المهنة عن أبيها، تصف الواقع المرير: “المواد الخام أصبحت كالذهب. كتل الرخام والبازلت التي كنا نشتريها بثمن معقول أصبحت أسعارها خيالية. واضطر الكثير من الزملاء لتحويل مهنتهم إلى نحت التحف الصغيرة للسياح فقط، لأن المنحوتات الكبيرة لم تعد مجدية اقتصادياً”.
لكن التحدي الاقتصادي ليس الوحيد. ففي حماة، حيث اشتهرت المدارس الفنية بتميزها، يعاني الفنانون من عزلة ثقافية تقطعهم عن العالم. الفنان نزار قاسم، الذي يملك مرسمًا متواضعًا قرب نهر العاصي، يشرح: “المعارض الدولية أصبحت حلمًا بعيد المنال. حتى المعارض المحلية توقفت معظمها بسبب الأوضاع الأمنية والاقتصادية. نحن نعمل في فراغ، بلا جمهور، بلا نقد، بلا حوار فني يطور من تجاربنا”.
وفي دمشق، حيث يفترض أن تكون الحركة الفنية أكثر حيوية، يواجه النحاتون معضلة الدعم المؤسسي. فاتحاد الفنانين التشكيليين، الذي كان يمثل ملاذًا آمنًا للإبداع، أصبح يعاني من شح التمويل وتراجع البرامج. النحات سامر الدروبي، عضو في الاتحاد، يقول: “نظمنا معرضًا العام الماضي، وكان علينا أن ندفع من جيوبنا الخاصة تكاليف القاعات والتأمين. الوزارات المعنية تقدم وعودًا بالدعم ولكنها تتبخر مع أول أزمة مالية”.
رغم هذا المشهد القاتم، تبرز بصيص أمل من داخل كليات الفنون الجميلة. ففي جامعة دمشق، يحاول جيل جديد من الطلاب إحياء هذا التراث. الطالبة سارة أحمد، في السنة الثالثة بقسم النحت، تقول: “نعلم أن المستقبل غير مضمون، ولكننا نؤمن بأن هذا الفن يستحق العناء. نستخدم خامات بديلة، نبتكر تقنيات جديدة، ونحاول أن نجد لغة نحتية معاصرة تواكب العصر دون أن تفصلنا عن جذورنا”.
بعض الفنانين وجدوا في العالم الرقمي منفذًا جديدًا. الفنانة ديمة الحلبي من حمص تعرض منحوتاتها عبر منصات افتراضية: “أنشأت متحفًا افتراضيًا لأعمالي، وأبيع عبر الإنترنت. ليست مثالية، ولكنها على الأقل تمكنني من الوصول إلى جمهور عالمي”.
لكن هذه الحلول الفردية تبقى غير كافية. فكما يوضح الناقد الفني د. معن صالح: “النحت السوري يحتاج إلى خطة إنقاذ شاملة. من الحفاظ على المدارس التاريخية في حمص وحماة، إلى دعم الأكاديميات في دمشق، إلى إنشاء صالات عرض دولية. بدون رؤية استراتيجية، سنختر هذا التراث إلى الأبد”.