لكل السوريين

في شوارع حمص.. أطفال يقودون سيارات والموت يحاصر المارة

تقرير/ بسام الحمد

عند منعطف شارع القوتلي في حمص، حيث تتداخل أصوات زامور السيارات مع صراخ الباعة المتجولين، تقع مأساة يومية لا يلتفت إليها أحد. هنا، في هذه المدينة التي أنهكتها الحرب، تحوّلت الطرقات إلى ساحات للعب روسية روليت، حيث يقود الأطفال سيارات بلا رخص قيادة، والكبار يتسابقون بمركباتهم وكأنهم في حلبات سباق.

أم محمد (42 عاماً) تجلس على كرسي متحرك بجانب نافذة شقتها المطلة على الشارع الرئيسي. تقول المرأة التي فقدت ساقيها في حادث دهس قبل عامين: “أشاهد كل يوم كيف يلعب الأطفال بالسيارات وكأنها ألعاب. في الأسبوع الماضي فقط، شاهدت طفلاً لا يتجاوز عمره الثانية عشرة يقود ميكروباص ويحمل ركاباً”. عيناها تفيضان بالدموع بينما تشير إلى مكان الحادث الذي غيّر حياتها إلى الأبد.

على بعد أمتار قليلة، يحاول أبو باسل (50 عاماً) إنقاذ ما تبقى من متجره الصغير للمواد الكهربائية. يقول الرجل الذي خسر 70% من زبائنه بعد أن حوّل ارتفاع الحوادث الطريق أمام محله إلى منطقة مخيفة للمشاة: “الزبائن يخافون من عبور الشارع. كل يوم أشهد حادثاً جديداً، إما دهساً أو اصطداماً أو مشاجرات بين السائقين”. يشرح كيف أصبحت طفلة صغيرة آخر ضحايا هذا الشارع قبل أسبوع، عندما دهستها سيارة كان يقودها مراهق لا يملك رخصة قيادة.

اللافت في شوارع حمص هو تنامي ظاهرة قيادة الأطفال للمركبات. ففي حي الزهراء، يقود أحمد (13 عاماً) دراجة نارية ببراعة مذهلة تناقض عمره الصغير. يقول الصبي الذي يعمل في توصيل الطلبات: “أعلم أن القيادة خطيرة، لكنني مضطر لكسب لقمة العيش”. والده قُتل في الحرب، وأصبح هو المعيل الوحيد لعائلته المكونة من خمسة أفراد.

لكن قيادة الأطفال ليست سوى جزء من المشكلة. فالسائقون الكبار يساهمون في تفاقم الكارثة. أبو علي (60 عاماً)، سائق تكسي منذ أربعين عاماً، يصف الوضع بأنه “جهنم مفتوحة على الطرقات”. يقول وهو يشير بيد مرتعشة: “لم أعد أعرف قواعد القيادة. الكل يتجاوز من اليمين واليسار، الإشارات الضوئية لم تعد محترمة، والسرعات أصبحت جنونية”.

في مستشفى الباسل، يقف الدكتور نبيل صالح (35 عاماً) أمام غرفة الطوارئ المزدحمة بالجرحى. يقول الطبيب الشاب: “70% من الحالات التي نستقبلها يومياً هي إصابات حوادث سير. الأمس فقط استقبلنا طفلاً في العاشرة من عمره كان يقود سيارة والده، اصطدم بشاحنة وتحطمت الجماجم”. يشرح كيف أن نقص المعدات الطبية والكوادر المتخصصة يجعل من الصعب إنقاذ الكثير من الضحايا.

أما في مركز شرطة المرور، فيروي النقيب معن عبد الله (45 عاماً) معاناة مختلفة. يقول الضابط الذي يعمل في السلك منذ عشرين عاماً: “نحاول تطبيق القانون، لكننا نواجه مقاومة شرسة. الأهالي يهاجموننا عندما نحجز مركبات أبنائهم، والتجار الأثرياء يهددوننا بالوساطات”. يضيف أن الغرامات المالية لم تعد رادعة بسبب انخفاض قيمة الليرة السورية.

رغم كل هذه المآسي، يبدو أن الأمل لا يزال حياً. مجموعة من المتطوعين الشباب أطلقوا مبادرة “شارع آمن”، يحاولون من خلالها توعية السائقين والمشاة. تقود المبادرة مهندسة المرور الشابة رنا (25 عاماً)، التي تقول: “نحن نوزع منشورات التوعية، وننظم دورات تدريبية للسائقين، ونضغط على البلدية لتركيب المزيد من الإشارات الضوئية”.

تبقى شوارع حمص تشهد معركة حياة أو موت، حيث تحولت الطرقات من أماكن للعبور إلى ساحات للمجازفة، والأطفال من لاعبي كرة القدم إلى سائقين محترفين، والكبار من حماة للأبناء إلى مشاهدين عاجزين. في هذه المدينة التي تعلمت النهوض من تحت الأنقاض، أصبحت السلامة المرورية رفاهية لا يقدر عليها أحد.

- Advertisement -

- Advertisement -