لكل السوريين

أزمة الرواتب في الساحل السوري تكشف انهيار السياسات الاقتصادية وتفاقم المعاناة الشعبية

تقرير/ اـ ن

يعكس الوضع الاقتصادي والإنساني في مختلف مناطق الساحل السوري صورة قاتمة للفقر المدقع وانهيار القدرة المعيشية للسكان. بعد عقود من الدمار الاقتصادي الممنهج وسياسات نظام سابق تركزت على تدمير البنية التحتية، يعيش جزء كبير من السكان اليوم في فقر مدقع، فيما وصلت معدلات البطالة بين الشباب إلى مستويات قياسية تجاوزت 90%. وتقدّر الأرقام الرسمية والخاصة فقدان الآلاف وظائفهم منذ سقوط النظام، ما جعل الأسر عاجزة عن مواكبة ارتفاع الأسعار المتسارع في الأسواق المحلية.

وفقاً لتقارير عدة، يواجه نحو 90 إلى 93% من سكان الساحل السوري انعداماً حاداً للأمن الغذائي، بينما يفتقر أكثر من نصف السكان إلى الوصول الكافي لمياه الشرب الصالحة والخدمات الأساسية من صرف صحي ونظافة عامة. كما أن أكثر من 50% من محطات معالجة المياه وشبكات الصرف الصحي تعرضت لأضرار جسيمة أو أصبحت خارج الخدمة، لتصل القدرة التشغيلية لتوفير المياه النظيفة إلى أقل من 50%، وتنخفض إلى 15-18% عند انقطاع الكهرباء.

وتشير المعطيات إلى أن السياسات السابقة، بما في ذلك تقليص الدعم الحكومي للسلع الأساسية وخفض الإنفاق الاجتماعي، أدت إلى ارتفاع كبير في تكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي. ووجد العديد من المزارعين والصناعيين أنفسهم عاجزين عن تغطية تكاليف الوقود وتشغيل المعدات الأساسية، ما انعكس سريعاً على أسعار السلع الأساسية ورفع موجة غلاء فاقت قدرة المواطنين على التحمل. كما تراجعت الخدمات العامة بشكل ملحوظ، بما في ذلك الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية الأخرى، بسبب سياسة قصر الإنفاق على هذه القطاعات الحيوية.

وسط هذا الواقع الاقتصادي المتردي، يعيش موظفو القطاع العام والمتقاعدون في الساحل السوري خيبة أمل متجددة مع صدور رواتب شهر آب 2025. فقد انتظروا طويلاً على أمل أن تصرف الحكومة لهم زيادة شهر تموز المتأخرة مع رواتب شهر آب، تطبيقاً للمرسوم التشريعي الصادر بتاريخ 19 حزيران 2025 والقاضي بزيادة الرواتب بنسبة 200% اعتباراً من 1 تموز. إلا أن المفاجأة كانت صادمة، إذ تم صرف الزيادة عن شهر آب فقط، وتجاهل شهر تموز بالكامل، ما دفع الموظفين إلى الشعور بالإحباط والمرارة بعد أسابيع من الانتظار الطويل.

ويشير الموظفون إلى أن المادة السابعة من المرسوم كانت واضحة في تطبيق الزيادة اعتباراً من الشهر الذي يلي صدور المرسوم، أي من شهر تموز، إلا أن الحكومة لم تعوضهم عن التأخير، وتحملت الكلفة على أصحاب الأجور بدلاً من المسؤولية الرسمية عن أي خلل إداري أو تقني. هذا الوضع ترك الموظفين والمتقاعدين في الساحل السوري، الذين أصبح كثير منهم يعيشون تحت خط الفقر، عاجزين عن تأمين احتياجاتهم اليومية من غذاء ودواء وسداد ديونهم.

ويواجه العاملون في مديريات التربية والصحة والخدمات الفنية والاجتماعية والكهرباء والمياه والتوكيلات الملاحية في محافظتي طرطوس واللاذقية أزمة مستمرة، إذ لم يتقاضوا رواتبهم الشهرية منذ أربعة أشهر. الوضع الاقتصادي والاجتماعي لهذه الفئة بات سيئاً جداً، على الرغم من الوعود المتكررة بصرف الرواتب والزيادة المقررة. أما شريحة المتقاعدين، فهي الأكثر تهميشاً، إذ طالما عانت من إهمال الدولة، ومع ذلك كانوا يعلقون آمالهم على هذه الزيادة لتلبية حاجاتهم الأساسية.

الواقع الحالي أظهر أن الموظفين والمتقاعدين يواجهون صدمة كبيرة بعد انتظار طويل تحت حرارة الصيف، وهم يقفون في طوابير الصرافات، حاملين في قلوبهم رجاء طال انتظاره. ورغم تعبهم وسنوات خدمتهم، فإنهم فوجئوا بعدم صرف الرواتب أو الزيادات، ما أدى إلى شعور جماعي بالخزي والإحباط والمرارة، واهتزاز في كرامتهم. ويرى كثيرون أن الدولة التي لا تحترم حقوق متقاعديها وموظفيها، لا تحترم تاريخها ولا تقدّر جهود من خدموها على مدى سنوات طويلة.

ويخلص الخبراء والمحللون الاقتصاديون إلى أن كسر حلقة الفقر في الساحل السوري يتطلب رفع فعلي لمستويات دخل الأسر، لا سيما شريحة العاملين بأجر، وأن أي تحسين في الوضع الاقتصادي يحتاج إلى تغييرات داخلية جذرية، والقطع تماماً مع سياسات السلطة السابقة التي أضعفت جهاز الدولة وأثرت على قدرة المواطنين على العيش الكريم. كما أن رفع العقوبات الاقتصادية الدولية قد يسهم في تسهيل حياة السكان، إلا أن النجاح يعتمد بالدرجة الأولى على إصلاحات محلية شاملة.

- Advertisement -

- Advertisement -