في 24 تموز/ يوليو 1923، خرج وفد “المجلس الوطني الكبير” التركي من قصر رومين في مدينة لوزان السويسرية ومعه “صكّ اعتراف” دولي بولادة جمهورية تركيا الحديثة، هكذا انتهت الحرب العالمية الأولى فعلياً بالنسبة لتركيا.
وسقطت معاهدة سيفر (1920) التي كانت قد وعدت، على الورق، الكرد والأرمن بكيانات سياسية، لتحلّ محلها معاهدة أعادت ترتيب الشرق الأوسط وفق ميزان قوى جديد وتحت عين المصالح البريطانية – الفرنسية – الإيطالية.
بالنسبة للأتراك، كانت لوزان تتويجاً لـ”حرب الاستقلال” وانتصاراً لخط مصطفى كمال أتاتورك، أما بالنسبة للأكراد، فكانت بداية قرن من الإقصاء والإنكار وإعادة إنتاج الخرائط من دونهم.
هذا التقرير يعود إلى لحظة التوقيع، ويستعرض شبكة الوقائع التي نسجت أسطورة الانتصار في تركيا، وولّدت سردية “النكبة” لدى الكرد، ثم يتتبع أثر لوزان على مجمل شعوب المنطقة، قبل أن ينتقل إلى سؤال الحاضر: هل ينفتح القرن الحادي والعشرون على مراجعة متأخّرة للمعاهدة، أم على إعادة إنتاجها بأدوات جديدة؟
قبل لوزان… من سايكس – بيكو إلى سيفر
وقعت اتفاقية سايكس – بيكو التي في العام 1916 كانت القاعدة الأولى لتوزيع “تَرِكة الرجل المريض”، إذ رسمت بريطانيا وفرنسا (مع علمٍ روسي) مناطق نفوذٍ واسعة في المشرق، وتفاهمتا على ترتيبات لاحقة تُلبّي المصالح الاستعمارية، هذه الاتفاقية لم تُلزم اللاعب العثماني، لكنها وضعت إطار التقسيم الذي سيُستكمل في سيفر ثم يُعدّل في لوزان.
اتفاقية سيفر وعود الحقوق القومية
وقعت عام 1920 معاهدة سيفر، مع الدولة العثمانية المهزومة، وتضمنت 433 بنداً، الأهم بالنسبة للأكراد كان المواد 62 – 64 التي فتحت الباب أمام حكم ذاتي كردي تمهيداً لاستفتاء على الاستقلال، أما الأرمن فحصلوا على “وطن قومي” معلن.
لكن المعاهدة، بالنسبة للقوميين الأتراك، كانت “وثيقة إذعان مذلّة”، ثم جاءت حرب الاستقلال بقيادة مصطفى كمال لتُسقط سيفر عملياً وتفرض على الحلفاء العودة إلى طاولة التفاوض؛ وهناك، وُلدت لوزان.
ودامت مفاوضات اتفاقية لوزان من 1 تشرين الثاني/نوفمبر 1922 حتى 24 تموز/يوليو 1923، ترأس الوفد التركي عصمت إينونو، “التوأم الفكري” لأتاتورك، خرج النص النهائي بـ143 مادة، عالجت مسائل الحدود، وضع المضائق، الأقليات، الديون العثمانية، التبادل السكاني مع اليونان، لكنها لم تتطرق إلى القضية الكردية.
ووفق روايات مؤرخين أتراك، ذهب الوفد إلى لوزان بثلاثة خطوط حمر، عدم القبول بأي “وطن أرمني”، رفض الامتيازات الاقتصادية التي أُغرِق بها العثمانيون، وسيادة تركيا على إسطنبول والمضائق.
ونجح الوفد في تثبيت هذه الخطوط، وأسقط سيفر، ووضع حداً نهائياً للأطماع الدولية في الأناضول، مقابل تنازلات في الولايات العربية السابقة للدولة العثمانية.
ولم تُحسم قضية الموصل بين أنقرة ولندن في لوزان، بل تُرك الملف للتشاور، وانتهى لاحقاً بترسيم حدود ضم الموصل إلى العراق تحت الانتداب البريطاني، أما لواء إسكندرون، فظلّ ملفه معلّقاً بعد لوزان إلى أن ألحِق بتركيا عام 1939.
واعترفت لوزان بحقوق الأقليات الدينية (اليونان الأرثوذكس في تركيا مقابل المسلمين في اليونان)، متجاهلة الحقوق القومية (الكرد، الشركس، العرب داخل تركيا). هذه النقطة ستكون حجر الزاوية في سياسات “الدمج القسري” لاحقاً، وتفسيراً قانونياً اعتمدته أنقرة لتبرير عدم الاعتراف بالكرد كقومية داخل حدودها.
الكرد بعد لوزان… تفكيك الجغرافيا والهوية
وزّعت لوزان – عملياً – الجغرافيا الكردية على أربع دول: تركيا، العراق، إيران، سوريا، وبدأ قرن من السياسات التي اتخذت صيغاً مختلفة (التتريك، التعريب، التفريس)، لكنها اشتركت في نفي الكيان السياسي والهوية واللغة.
عام 1925، أطلقت أنقرة “خطة إصلاح الشرق”، وكان عنوانها المركزي ضبط مناطق الأغلبية الكردية وإخضاعها. تلَتها ثورات (شيخ سعيد بيران، آرارات) قُمعت بعنف، وترافقت مع عمليات تهجير وتذويب لغوي وثقافي.
في سوريا، جُرّد عشرات آلاف الأكراد من الجنسية في إحصاء 1962، وجرى تنفيذ “الحزام العربي” في الجزيرة، ما مهّد لعقود من التهميش القانوني والسياسي. لم يبدأ التغيير الفعلي إلا مع اندلاع الثورة السورية وولادة الإدارة الذاتية ابتداءً من 2012.
وشهد العراق أكثر المحطات دموية بحق الأكراد: الأنفال، الكيماوي، والحروب الداخلية، لكن حرب 1991 ثم الغزو الأميركي 2003 كرّسا عملياً كياناً كردياً يتمتع بمؤسسات وبرلمان (إقليم كردستان العراق).
في إيران، اندلعت انتفاضات كردية عدة منذ جمهورية مهاباد (1946)، اليوم، يتجدد الدور الكردي في انتفاضة “جيناً أميني” (2022) التي تبنّت شعار “المرأة، الحياة، الحرية” وعمّمته على إيران والعالم.
منذ لوزان، لم تكن سياسات قمع الكرد “قطرية” فحسب؛ بل جرت ضمن منظومات أمنية متعددة الأطراف: اتفاقية سعد آباد (1937) بين تركيا، إيران، العراق، وأفغانستان، شكّلت – بحكم الأمر الواقع – مظلة للتنسيق الأمني ضد أي ثورة كردية عابرة للحدود.
اتفاق تركي – إيراني (1932) لضرب انتفاضة آرارات، حيث سمحت طهران بدخول الجيش التركي من أراضيها خلف المقاتلين الكرد، والتنسيق السوري – العراقي (1963) حيث أرسل الجيش السوري لواءً لمساندة بغداد في قتال الحركة الكردية.
اتفاق بغداد – أنقرة (1982) منح تركيا حق التوغل حتى 5 كلم داخل الأراضي العراقية بحجة ملاحقة مقاتلي حزب العمال.
اتفاقية أضنة (1998) تعهّدت دمشق بملاحقة حزب العمال واعتباره منظمة “إرهابية”.
تقديرات كردية تتحدث عن أكثر من مليون ضحية خلال القرن الذي تلا لوزان، وأكثر من 10 آلاف قرية محروقة أو مدمرة، وتهجير ما لا يقل عن 10 ملايين كردي داخل وخارج “الأجزاء الأربعة”، هذه المعطيات تعكس قرناً من التهميش وضرب اللغة، منع الأسماء الكردية، والهندسة الديموغرافية.
تغييرات
وفي العراق، انتهت مرحلة “الفيتو المطلق” على الكيان السياسي الكردي بولادة إقليم كردستان المعترف به دستورياً. وفي سوريا تأسست الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية من عدة مكونات شكّل الكرد عمودها الفقري، والتي باتت شريكاً رئيسياً في التحالف الدولي.
انهيار الدولة القومية
وتركيا باتت مأزومة اقتصادياً وسياسياً، سوريا متصدّعة، العراق بلا سيادة كاملة، وإيران محاصرة بعقوبات وصراعات، هذه الأزمات تضعف قدرة الدول الأربع على إدارة الملف الكردي بالصرامة القديمة لكنها تدفعها إلى تنسيقات ثلاثية ورباعية.
الخطاب الكردي المعاصر بتأثير القائد عبد الله أوجلان وأطروحات “الكونفدرالية الديمقراطية” تجاوز مطلب “الدولة القومية الكردية” بالمعنى الكلاسيكي، لصالح صيغ اللامركزية والبلديات والمساواة الجندرية.
وتحتفل تركيا سنوياً بـ”انتصار لوزان”، وتعتبرها وثيقة ملكية للدولة الحديثة. لكن في أوساط اليمين القومي والإسلامي، تُعتبر لوزان وثيقة قلّصت تركيا وحرمَتها من “حقوق تاريخية” في الموصل وحلب وكركوك.
وفي عام 2023 “الذكرى المئوية لاتفاقية، تظاهر آلاف الأكراد في لوزان وجنيف، واعتبروا المعاهدة «باطلة» سياسياً وأخلاقياً، مطالبين بإعادة كتابة تاريخ لم يشملهم.
سيناريوهات المستقبل
تطرح في المستقبل ثلاثة سيناريوها رئيسية لحل القضية الكردية، أولاً التسوية الدستورية داخل الدول القائمة، مثل ترسيخ الفيدرالية في العراق وصيغة لامركزية في سوريا، ثانياً الكونفدرالية الديمقراطية العابرة للحدود: نموذج أوجلاني يقوم على البلديات والمجالس، ثالثاً صفقة دولية كبرى: إدراج الملف الكردي ضمن ترتيبات إقليمية ودولية أوسع.
وعليه فإن المعاهدات الدولية الكبرى لا “تسقط بالتقادم” لكنها قد تصبح عديمة الصلاحية السياسية إذا تبدلت الوقائع، كذلك اتفاقية لوزان، كصيغة لإقصاء الكرد، تتآكل، لكن تحويل هذا التآكل إلى بنية بديلة يحتاج إلى وحدة كردية، رافعة دولية، ومشروع ديمقراطي شامل.
لم تكن معاهدة لوزان مجرد وثيقة حدود؛ كانت وثيقة تصوّر لشرق أوسط تُحكمه الدول القومية المركزية، وتُروَّض فيه الشعوب غير المعترَف بها تحت سقوف الأمن والتحديث، واليوم ومع انكشاف هشاشة هذا التصور، يعود السؤال من جديد، هل يُعاد تعريف السيادة والحدود والحقوق في الإقليم؟