لكل السوريين

أزمة زيت الزيتون في حماة… انخفاض الأسعار يخفي معاناة المزارعين وتبايناً في الفائدة للمستهلكين

حماة/ جمانة الخالد

تشهد أسواق زيت الزيتون في محافظة حماة تراجعاً حاداً في الأسعار خلال الموسم الحالي، حيث انخفض سعر صفيحة الزيت (20 ليتراً) إلى حوالي 550 ألف ليرة سورية، بعد أن كانت تُباع بمليون و300 ألف ليرة في الموسم السابق. هذا الانخفاض الكبير، الذي يُعد الأكبر منذ سنوات، لم يُترجم إلى فرحة عامة، إذ يخفي وراءه معاناة كبيرة للمزارعين من جهة، وتبايناً في الفائدة للمستهلكين من جهة أخرى، في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها السوريون.

على الرغم من انخفاض الأسعار، إلا أن المزارعين في ريف حماة، وخاصة في مناطق مثل السقيلبية ومصياف واللد، يعانون من خسائر فادحة بسبب الارتفاع الكبير في تكاليف الإنتاج. يقول أبو محمد، أحد مزارعي الزيتون في منطقة مصياف: “الأسعار الحالية لا تغطي حتى نصف التكاليف. أجور العمال ارتفعت، وأسعار الأسمدة تضاعفت، ناهيك عن تكاليف العصر والنقل. نحن نعمل بخسارة هذا الموسم”. ويضيف أن العديد من المزارعين اضطرّوا إلى بيع جزء من محاصيلهم بأسعار زهيدة لتسديد ديون متراكمة، بينما يحتفظون بالباقي على أمل أن ترتفع الأسعار لاحقاً.

ويرجح بعض المزارعين أن يكون الموسم المقبل “عام معاومة” (أي سنة إنتاج منخفض)، مما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بسبب نقص المعروض وزيادة الطلب. إلا أن هذا الأمل لا يخفف من معاناتهم الحالية، خاصة مع تراجع الطلب المحلي وعدم وجود أسواق تصديرية قوية لامتصاص الفائض.

يرى الخبير الزراعي أحمد الحسين أن انخفاض أسعار زيت الزيتون في حماة مرتبط بعدة عوامل، أبرزها التوسع الكبير في زراعة الزيتون في السنوات الأخيرة، مما أدى إلى زيادة المعروض المحلي. كما أن تراجع الصادرات السورية بسبب العقوبات الدولية وضعف الجودة في بعض المنتجات ساهم في انخفاض الأسعار. ويوضح الحسين: “عندما تنخفض الصادرات، يزيد المعروض المحلي، مما يضغط على الأسعار. لكن المشكلة أن المزارعين لا يستفيدون من هذا الانخفاض، لأن تكاليف الإنتاج أصبحت أعلى من سعر البيع”.

كما يشير إلى أن تحسن الإنتاج العالمي لزيت الزيتون في دول مثل إسبانيا وإيطاليا أدى إلى انخفاض الأسعار الدولية، مما انعكس سلباً على المزارعين السوريين الذين يعتمد بعضهم على التصدير.

بالنسبة للمستهلكين في حماة، فإن انخفاض أسعار زيت الزيتون يُعد خبراً إيجابياً نظرياً، لكنه لا يُترجم إلى راحة حقيقية بسبب تدهور القوة الشرائية للسكان. يقول أبو علي، وهو موظف حكومي من أهالي حماة: “نعم، سعر الزيت انخفض، لكن رواتبنا ما زالت متدنية جداً. شراء صفيحة زيت يعني التضحية بجزء كبير من دخلي الشهري، خاصة مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية الأخرى مثل الخبز والوقود”.

وتعاني العديد من العائلات من صعوبة تأمين زيت الزيتون، رغم انخفاض سعره، حيث أصبحت تشتري كميات قليلة على فترات متباعدة، أو تلجأ إلى أنواع رديئة تباع بأسعار أقل.

من الأزمات الكبيرة التي تواجه قطاع زيت الزيتون في سوريا خروج الزيت السوري من التصنيف الدولي العام الماضي بسبب عدم مطابقته للمعايير العالمية. وقد منحت الهيئات الدولية الحكومة مهلة حتى عام 2026 لتحسين الجودة، إلا أن المزارعين في حماة يشكون من عدم وجود دعم كافٍ لمساعدتهم على تلبية هذه المعايير.

ويؤكد الخبير الزراعي أحمد الحسين أن جودة الزيت تلعب دوراً حاسماً في تحديد سعره عالمياً، قائلاً: “الزيت السوري من نوع ‘اكسترا’ ذو الحموضة 0.5 يمكن أن يُباع عالمياً بسعر 72 دولاراً للصفيحة، لكن المشكلة أن معظم المنتجين لا يستطيعون الوصول إلى هذه الجودة بسبب نقص المعدات الحديثة وعدم وجود مراقبة دقيقة”.

في ظل غياب سياسات دعم واضحة للمزارعين، وعدم وجود استراتيجية فعالة لتنظيم الصادرات، تتفاقم أزمة زيت الزيتون في حماة. فالمزارعون يضطرون إلى بيع منتجاتهم بأسعار لا تغطي تكاليف الإنتاج، بينما المستهلكون لا يستفيدون بالشكل الكافي من الانخفاض بسبب تدهور دخولهم.

ويطالب مزارعون في ريف حماة الحكومة بالتدخل لشراء الفائض أو تقديم دعم مالي يساعدهم على تجاوز هذه الأزمة. كما يشددون على ضرورة تحسين جودة المنتج لاستعادة الأسواق الخارجية، مما سينعكس إيجاباً على الأسعار المحلية.

أزمة زيت الزيتون في حماة ليست مجرد انخفاض في الأسعار، بل هي قصة معاناة مزدوجة: مزارعون يخسرون بسبب تكاليف الإنتاج المرتفعة وأسعار البيع المنخفضة، ومستهلكون لا يستطيعون الاستفادة من هذا الانخفاض بسبب تدهور قدرتهم الشرائية. وفي ظل غياب الحلول الجذرية، تبقى هذه الأزمة مثالاً صارخاً على التحديات الاقتصادية والزراعية التي تواجه سوريا في مرحلة إعادة الإعمار.

- Advertisement -

- Advertisement -