لكل السوريين

‏دعوة للسلام من خلف القضبان.. فهل سيكون الحوار بديلاً للسلاح؟

حاوره/مجد محمد

‏أشار حسين الأحمد على أنه جاءت دعوة القائد عبد الله أوجلان للسلام في لحظة سياسية دقيقة، تتشابك فيها التحديات الداخلية مع التوترات الإقليمية، دعوة حث فيها جميع الأطراف على تغليب لغة الحوار على صوت السلاح، والبحث عن حل سياسي عادل وشامل.

‏في تطور لافت يعيد ملف القضية الكردية إلى واجهة المشهد السياسي، أطلق القائد عبد الله أوجلان من محبسه دعوة جديدة للسلام، داعياً إلى إنهاء الكفاح المسلح، والعودة إلى طاولة الحوار لحل ازمات المنطقة والشرق الأوسط، وخصوصاً القضية الكردية في تركيا بوسائل ديمقراطية وسلمية.

‏هذه الدعوة، التي تأتي في ظل توتر سياسي داخلي وإقليمي متصاعد، تثير تساؤلات عديدة حول دلالاتها وتوقيتها، ومدى استعداد الأطراف المعنية للاستجابة لها، فهل تمهد هذه الرسالة لمرحلة جديدة من المصالحة؟ أم أنها ستواجه مصير الدعوات السابقة التي أُجهضت بفعل التجاذبات السياسية.

‏وبهذا الخصوص عقدت صحيفتنا السوري حواراً مطولاً مع حسين الأحمد عضو حزب الاتحاد الديمقراطي، ودار الحوار التالي:

‏*ما هو مضمون نداء القائد عبد الله أوجلان الأخير بشأن حل الحزب التابع له؟

‏يتمحور النداء حول الدعوة إلى مراجعة عميقة لطبيعة الكفاح الكردي، والانتقال من المسار العسكري إلى المسار السياسي والسلمي كوسيلة لحل القضية الكردية، فالنداء جاء بالدعوة إلى حل الحزب أو إعادة هيكلته، فهو يرى أن استمرار الصراع المسلح لم يعد يخدم القضية الكردية، وأن الوقت قد حان للتخلي عن الكفاح المسلح لصالح عمل سياسي ديمقراطي ومدني، وكذلك دعوة للحوار والتهدئة مع الدولة التركية، فهو يدعو إلى حوار جدي مع الدولة التركية، مبني على الاعتراف بالحقوق الكردية ضمن تركيا موحدة وديمقراطية، وكذلك تحقيق السلام كأساس لحل أزمات الشرق الأوسط، فهو يؤكد أن القضية الكردية ليست فقط قضية داخلية تركية أو سورية، بل مفتاح رئيسي للسلام في الشرق الأوسط، ويجب معالجتها بعيداً عن لغة الحرب والتهميش، وأيضاً نداء للعقلانية ووحدة الشعوب، فيشدد القائد أوجلان على أهمية التعايش بين الشعوب الكردية، العربية، التركية، والفارسية، ضمن مشروع ديمقراطي مشترك، بعيداً عن القومية الضيقة، وأخيراً التأكيد على الإدارة الذاتية والديمقراطية التشاركية، فبدلاً من المطالبة بدولة قومية كردية، يدعو القائد أوجلان إلى نموذج الأمة الديمقراطية، حيث تحترم حقوق الكرد ضمن كيانات موجودة، عبر حكم ذاتي ديمقراطي

‏*هل هذا النداء يعتبر تحولاً جذرياً في موقف القائد أوجلان؟ وما الأسباب التي دفعته إلى هذا الطرح الآن؟

‏نعم، يمكن اعتبار هذا النداء تحولاً جذرياً أو على الأقل نقلة إستراتيجية مهمة في موقف القائد عبد الله أوجلان، خاصة إذا نظر إليه في سياق مسيرته الطويلة في النضال الكردي التي بدأت بالكفاح المسلح وانتقلت تدريجياً نحو طرح مفاهيم السلام، الديمقراطية، والأمة الديمقراطية، وأما الاسباب تتمثل بالاقتناع بعدم جدوى العمل المسلح في هذه المرحلة، فبعد عقود من الصراع المسلح، يبدو أن القائد أوجلان توصل إلى قناعة بأن الكفاح المسلح لم يعد الوسيلة المثلى لتحقيق الحقوق الكردية، خصوصاً مع تغير موازين القوى الإقليمية والدولية، فاليوم المسار السياسي بات أكثر تأثيراً في رسم مستقبل الشعوب، والسلام أصبح ضرورة إستراتيجية لا خياراً تكتيكياً، والسعي لتجنيب الشعب الكردي المزيد من الحروب والمعاناة، فالحروب المستمرة، خاصة في سوريا والعراق، أثقلت كاهل ابناء المنطقة، ومنهم الكرد ، فالقائد أوجلان يدرك أن استمرار الصراع قد يؤدي إلى فقدان المكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية، وبالتالي، فإن خياره بالسلام هو حماية للشعب الكردي ومستقبله، وكذلك مراجعة فكرية وسياسية عميقة داخل السجن، فمنذ سنوات، وخلال فترة سجنه في جزيرة إيمرالي، بدأ أوجلان بمراجعة فكرية معمقة، تطورت إلى مفهوم الأمة الديمقراطية والكونفدرالية الديمقراطية، مبتعداً عن فكرة الدولة القومية، ومقترباً من تصور يضمن الحقوق عبر التشاركية السياسية والثقافية، وكذلك التحولات الإقليمية والدولية، فهناك تغيرات كبيرة في المنطقة، تقارب تركي-سوري محتمل، تغير في سياسات القوى الكبرى تجاه سوريا والعراق، وضغط متزايد على الفصائل المسلحة، أوجلان يرى أن المرحلة تقتضي التكيف الذكي مع هذه المتغيرات دون التنازل عن الحقوق، وأيضاً الرغبة في إنهاء عزلته والعودة كطرف في الحل، فمن خلال هذا النداء، يبعث أوجلان برسالة سياسية مهمة، أنا لا زلت موجوداً كلاعب أساسي في المعادلة، ويعرض نفسه كجسر للحوار والحل، لا كرمز للصراع فقط

‏*كيف يمكن فهم دعوة القائد أوجلان للسلام؟ وهل هناك أطراف إقليمية أو دولية متجاوبة معها؟

‏‏دعوة القائد أوجلان للسلام ليست مجرد مبادرة رمزية أو إعلامية، بل تمثل رؤية فكرية واستراتيجية متكاملة تنبع من مراجعة شاملة لطبيعة الصراع في المنطقة، وتركز على أن السلام ليس تنازلاً، بل خيار استراتيجي يضمن الحقوق الكردية ضمن نظام ديمقراطي تعددي، ويخرج القضية من عزلتها المسلحة إلى فضاء شرعي ومفتوح، والكرد ليسوا ضد الشعوب الأخرى، بل هم جزء من نسيج المنطقة، ويتطلعون إلى التعايش مع العرب والترك والفرس، لا إلى مواجهتهم، وأن الوسائل السلمية أكثر قدرة على كسب التأييد الدولي وتحقيق الحقوق عبر المؤسسات وليس عبر البندقية، والأطراف الإقليمية المتجاوبة جزئياً أو ضمنياً، منهم الحكومة السورية المؤقتة، فدمشق لم تعلن موقفاً مباشراً من نداء أوجلان، لكنها ترحب ضمنياً بأي تحول يضعف الذرائع التركية للتدخل في شمال سوريا، فالحوار بين الإدارة الذاتية والحكومة المؤقتة لا يزال محدوداً، لكن دعوات السلام تعزز فرص إستئناف مفاوضات جدية، وكذلك تركيا على المستوى غير الرسمي أو الاستخباراتي، فدعوة أوجلان تمثل فرصة لأنقرة لتسوية ملفها الكردي داخلياً وخارجياً إذا أرادت تخفيف عزلتها الإقليمية، وإقليم كردستان العراق، وخاصة حكومة أربيل، مهتمة بوجود استقرار سياسي في المنطقة، وأي تهدئة بين تركيا والكرد تصب في مصلحة الإقليم سياسياً واقتصادياً، أما الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي وروسيا فهي مهتمة جداً بالنداء فهم يسعون لاستقرار مناطق شمال شرق سوريا، ودعوة أوجلان للسلام تنسجم مع الرؤية الأميركية لدعم الحوكمة المحلية ومحاربة الإرهاب بدون فتح جبهات جديدة

‏‏*هل تعتبر دعوة السلام هذه إستراتيجية لكسب نفوذ سياسي جديد أم تعبير عن موقف مبدئي؟

‏في الحقيقة، دعوة القائد عبد الله أوجلان للسلام تحمل البعدين معاً، فهي من جهة تعبير صادق عن موقف مبدئي نابع من مراجعة فكرية عميقة، ومن جهة أخرى تحمل أبعاداً استراتيجية تسعى إلى إعادة تموضع سياسي للكرد في مرحلة مفصلية من تاريخ، فدعوته للسلام لا تأتي من موقع ضعف، بل من قناعة فكرية بأن الحقوق تنتزع بالحكمة والتنظيم والمشروع السياسي، لا بالسلاح وحده، وهو يرى أن السلام الحقيقي لا يكون عبر استسلام طرف، بل عبر اعتراف متبادل وضمان الحقوق للجميع وخاصة للشعب الكردي الذي تعرض تاريخياً للإقصاء والتهميش، ففي ظل المتغيرات الإقليمية، تقارب تركي-عربي، تحولات في الملف السوري، تقليص الحضور الأميركي مستقبلاً، الساحة السياسية تحتاج إلى عقلانية كردية تعيد تموضع القوى الكردية كجزء من الحل، لا كسبب للعزلة أو الاستهداف، كما أن هذه الدعوة تربك خصوم الكرد الذين اعتادوا تقديمهم كقوة متمردة أو انفصالية، وتعيد تشكيل صورتهم كقوة مدنية تسعى إلى شراكة حقيقية مع باقي المكونات.

‏*ما تأثير هذا النداء على مستقبل الأكراد في سوريا؟ وهل يمكن أن يسهم هذا النداء في تخفيف التدخلات العسكرية التركية في شمال سوريا؟

‏النداء يعزز موقف الكرد السوريين كقوة سياسية واجتماعية ناضجة تبحث عن الحلول السلمية، كما يدعم مسار التفاوض مع الأطراف السورية الأخرى، وخاصة دمشق، ويمنح الإدارة الذاتية ورقة قوة على طاولة الحوار السياسي باعتبارها طرفاً غير عدائي بل بناء في المعادلة السورية، وبالتأكيد طرح القائد أوجلان يقطع الطريق على ذرائع التدخل التركي، حيث يظهر الجانب الكردي كطرف يدعو للسلام ويبحث عن حلول سلمية، هذا يضعف المبررات التي تقدمها أنقرة لتبرير عملياتها العسكرية، ويعزز فرص التهدئة.

‏*كيف تسهم هذه الخطوة في تقديم القضية الكردية كجزء من الحل في سوريا والمنطقة؟ وهل يمكن أن تفتح هذه المبادرة الباب أمام اعتراف دولي أوسع بالقضية الكردية؟

‏الخطوة تضع الأكراد في موقع المبادرة السياسية، وتظهرهم كقوة تدعو إلى بناء السلام، وتحقيق الديمقراطية، وحماية وحدة الشعوب، وهذا يعكس نضجاً سياسياً كبيراً، ويعزز الصورة الإيجابية للكرد أمام المجتمع الدولي، ولأن الخطوات السلمية دائماً تلقى صدى إيجابياً لدى المجتمع الدولي، دعوة القائد أوجلان للحل السلمي قد تعيد طرح القضية الكردية على طاولة المجتمع الدولي كقضية عادلة وشريكة في السلام، وليست طرفاً في الصراع.

‏*ما الآفاق المستقبلية التي تفتحها هذه الدعوة؟ وما المطلوب من الأطراف الإقليمية والدولية بعد هذا النداء؟

‏هذه الدعوة تفتح المجال لصياغة عقد اجتماعي جديد في المنطقة، يشمل الاعتراف بالحقوق الثقافية والسياسية للكرد، ويؤسس لنظام ديمقراطي لا مركزي يضمن حقوق جميع المكونات دون إقصاء، وعلى الأطراف الإقليمية، وخاصة تركيا وسوريا، أن تتلقف هذه الدعوة بإيجابية، وتبدأ حواراً مباشراً مع القوى الكردية، كما أن على المجتمع الدولي دعم هذا التوجه، والدفع نحو حلول سلمية تضمن الاستقرار وحقوق الشعوب في آن معاً.

‏*ختاماً، وبرأيك، ما الذي تحتاجه دعوة أوجلان الأخيرة لتتحول من مجرد رسالة من خلف القضبان إلى بداية حقيقية لمسار سلام دائم وشامل؟ وهل لا تزال هناك نافذة أمل لعودة الحوار في ظل الظروف الراهنة؟

‏في خضم تعقيدات المشهد السياسي وتراكمات الصراع، تبقى دعوة القائد عبد الله أوجلان الأخيرة بمثابة اختبار جديد لإرادة الأطراف كافة، بين من يتمسك بخيار السلاح، ومن يؤمن أن الأفق لا يفتح إلا بالحوار، ‏وربما لا تحمل الدعوة وحدها الحل، لكنها تضع حجر أساس يمكن البناء عليه إن توفرت الإرادة السياسية والثقة المتبادلة، وأعتقد أن نافذة الأمل لا تزال موجودة، لكنها تضيق، فكلما طالت فترة القطيعة، وكلما تصاعدت لغة الكراهية والتخوين، أصبح من الصعب إعادة الأمور إلى مسارها، ومع ذلك، فإن الدعوات المتكررة من القائد أوجلان، رغم ظروفه الصعبة، تحمل رسالة واضحة هي أن الفرصة لم تغلق بعد، وأن الخيار السلمي لا يزال مطروحاً، لكن اغتنام هذه الفرصة يحتاج إلى شجاعة سياسية، ووعي بأن الاستقرار الدائم لا يبنى بالقوة، بل بالاعتراف المتبادل والعدالة والعيش المشترك.

- Advertisement -

- Advertisement -